مما تعلمتُه في الماجستير

أنهيتُ ولله الحمد دراستي في الماجستير قبل أسبوعين من جامعة مرمرة، اسطنبول، قسم هندسة الحاسوب.

هناك العديد من الأمور التي تعلمتُها أثناء دراستي، بعضها متعلق بالبحث والنشر الأكاديمي ككل وبعضها متعلق بالأدوات والتقنيات التي استعملتُها أثناء بحثي، وسأشارك بعضًا منها معكم في هذه التدوينة.

مقدمة عن موضوع أطروحتي

أطروحتي كانت بعنوان: “A New Method for Protecting Location Privacy in Vehicular Ad-hoc Networks”، وهي متعلقة بحماية خصوصية بيانات موقع السيارة أثناء تواصلها في شبكات السيارات.

أي سيارة حديثة لديها القدرة على المشاركة في شبكات لاسلكية ديناميكية؛ فيمكنها إرسال واستقبال البيانات من السيارات التي حولها أو من إشارات المرور أو من مرافق الطريق بشكل عام (نسمّيها Road-side Units أو وحدات جانب الطريق). يمكن للسيارة عبر هذه الشبكات أن ترسل موقعها وسرعتها ومجموعة من البيانات المرتبطة بها إلى كل من حولها على شكل إرسال عام (Broadcast) لتلتقطها أي سيارة أو شخص في المنطقة، وبالتالي يتمكنون من معرفة اتجاه هذه السيارة وأين موقعها وأين تذهب، وهو بدوره ما يساعد فيما يتعلق بـ:

  • تجنب الحوادث المرورية.
  • حماية الركّاب في حال حصول الحوادث.
  • القيادة الذاتية.
  • تحسين تدفّق المرور (Traffic) حيث يصبح بإمكان إدارة المدينة التواصل مع السيارات.
  • غير ذلك من الاستخدامات.

تُرسل هذه البيانات من كل سيارة، طوال الوقت بينما هي تسير على الطرقات، وهناك معايير معيّنة (Standards) لمعالجاتها وفهمها وإرسالها. هذه المعايير مضبوطة عبر هيئات المعايير في أوروبا ETSI وأمريكا SAE.

الآن المشكلة في الموضوع هي أنه بما أن هذه البيانات تحوي موقع السيارات الحالي (بالإضافة إلى معرّف وهمي مؤقت Pseudonym)، فيمكن لأي شخص وضع أجهزة التقاط في أي أماكن يريدها في المدينة والتقاط هذه البيانات، وبالتالي سيكتشف أين تتحرك السيارات في كامل المدينة دون الحاجة لمراقبتها بشكل مباشر، بل فقط عبر مراقبة الشبكة.

هذا قد يسبب ضررًا للسائق ويعتبر انتهاك خصوصية؛ لأنه يسمح للآخرين بمعرفة أين كنت في الماضي وأين تذهب غالبًا، وهو ما قد يؤدي لمشاكل مثل التلصص أو الاعتداءات أو غير ذلك من الأمور التي لا نرغب بها.

ما الحل؟ الحل الذي عمل عليه القطاع البحثي في السنوات الماضية (منذ أكثر من 15 سنة وإلى اليوم) هو تقديم طرق معيّنة لتغيير معرّف السيارة المؤقت (Pseudonym) بحيث يتغير باستمرار أثناء القيادة (كل 7 دقائق مشي، أو كل 2 كيلومتر، أو عند إشارات المرور… إلخ)، وهو ما سيجعل المهاجم بحاجة إلى ربط هذه المعرّفات ببعضها البعض ليتمكن من كشف مسار السيّارة السابق، وهو أمرٌ أصعب بكثير وقد لا ينجح. هناك طرق مختلفة وكل طريقة لها مميزات وعيوب.

المشكلة الجديدة هي أن القطاع البحثي اكتشف أنه مهما كانت الطريقة المُستعملة لتغيير المعرّفات، فسيظل المُهاجم قادرًا على ربط المعرّفات ببعضها البعض، وهذا بسبب البيانات الفريدة الموجودة التي تُرسل من السيارة عنها، ألا وهي طول السيارة وعرضها.

بما أن الطول والعرض لا يتغيران، بالتالي يمكن لأي مُهاجم ببساطة أن يسجل هذه البيانات، ثم حتى عندما يتغير المعرّف بأي طريقة، يمكنه ربط المعرّف القديم بالجديد عبر مقارنة بيانات الطول والعرض للسيارة (لأنهما نفسهما لا يتغيران)، وبالتالي تنكشف خصوصية السيارة بغض النظر عن الطريقة المُستعملة.

هذه كانت كارثة مبدئيًا في المجال، لأنه يعني أن مجهودات 15 سنة من البحث قد ذهبت أدراج الرياح لأمرٍ لم يكن بالحسبان، لكنني اكتشفتُ غير ذلك وقدمت طريقة لحماية السيارات من هذا حتى مع أخذ بيانات الطول والعرض بالاعتبار.

قدّمت أطروحتي وأيضًا ورقة بحثية للنشر (غالبًا في مجلة IEEE Access)، كما عملتُ على تسجيل براءة اختراع متعلقة بالأمر هنا في تركيا، وسأشارك تجاربي معكم في هذه التدوينة.

أمورٌ تعلمتُها من دراستي في الماجستير

1. النشر الأكاديمي قذر

لقد مررتُ على الكثير جدًا من الأوراق البحثية.

اكتشفتُ أن الأمر صحيح كما كان مشرفي يخبرني دومًا في الماجستير: “البحث العلمي قذر وليس نظيفًا كما تظن”. كنت أظن أن البحث العلمي قذر فيما يتعلق بأمور مثل نظرية التطور والبيولوجيا والطب وهذه المجالات، لكنني لم أتخيل أن يصل هذا إلى مجال علوم الحاسوب.

  • كثير جدًا من الأوراق البحثية التي تُنشر، تُنشر رغم أنه يكون بها عيب قاتل أو افتراض أو ادّعاء غير صحيح، لكنه مُتكتّم عليه بحيث تظهر الورقة البحثية على أنها جميلة ونظيفة بينما هي منقوضة من أصلها.
  • يحصل هذا لأن الأساتذة الجامعيين بالتحديد مطالبون بالنشر الأكاديمي كثيرًا إن أرادوا الترقّي في سلّمهم الوظيفي، وبالتالي هدفهم النشر بأكبر قدر ممكن بغض النظر عن الأمانة العلمية.
  • هناك معايير معينة لطريقة تواصل السيارات مع بعضها على أرض الواقع سواءٌ في أوروبا أو أمريكا، ثم تجد أوراقًا بحثية تتكلم عن المجال وكأن هذه المعايير غير موجودة؛ فتصبح لا قيمة لها لأنه لا أحد يطبّق شبكات السيارات كما يصف هؤلاء، بل بحسب المعايير الرسمية فقط. أي أنها تستعمل افتراضات غير صحيحة فقط لتصحيح نتائجها.
  • تكاد تكون مراجعة النظير (Peer-review) لا قيمة لها، فجلّ الأوراق التي اطّلعت عليها من هذا النوع كانت كذلك.
  • في الواقع الأمر شجعني جدًا؛ إن كان هؤلاء يخبّصون بالمجال بهذا الشكل فحينها لا مشكلة من أن أتشجع أنا وأنشر ورقتي البحثية الأولى.
  • الهيئات الرسمية التي تنشر المعايير والمعنية بشبكات السيارات في كافة أنحاء العالم تنشر أحيانًا وثائق تنصح بأسلوب معيّن أو تنصح بالابتعاد عن أسلوب معيّن في حماية خصوصية السيارات، ثم تجد معظم الأوراق البحثية تُنشر وكأن هذه التوصيات غير موجودة، وكأنه لا يعنيهم مدى قابلية تطبيق طُرقِهم بالمرّة بل فقط النشر.

اكتشفتُ مثلًا أن الورقة البحثية التي بنيتُ عليها مشكلة بحثي كانت تستعمل قياسات السيارات بالمليميتير، لكن المعايير الرسمية تستعملها بالسنتيميتر والديسيميتير؛ وهو ما يغيّر من صحة النتائج بنسبة تصل إلى 50%. أي أنهم فعلوا هذه الحركة الصغيرة القذرة فقط ليحصلوا على نتائج أكبر ويقولوا للجميع: انتبهوا أعمالكم البحثية غير صحيحة بسبب ما اكتشفناه!

هذا جانب وهناك جانب آخر متعلق بالنشر الأكاديمي: المجلة التي كنّا نريد النشر فيها كانت IEEE Access وهي مجلة وصول مفتوح (Open-Access) أي أنها تتيح لكل القرّاء الوصول للبحث بالمجان، لكن يتوجب على الباحثين الذين كتبوا الورقة البحثية تحمّل تكلفة ضخمة مقابل النشر (نحو 1800$ في حالتنا).

كنتُ أظن أن هذا المبلغ يذهب للمجلة ويُدفع للمراجعين والمدققين وهذه التكاليف؟ لكنني اكتشفت أن المراجعين والمدققين لا يحصلون على أي قرش؛ بل يقومون بالأمر بالمجان تمامًا. من يحصل على هذا المال هو المؤسسة الناشرة أو دار النشر، وليس العاملون في المجلة أنفسهم.

أي أن الناشر حرفيًا لا يحرّك مؤخرته لعمل شيء، ومع ذلك يحصل على كامل المبلغ بينما الباحثون الذين يتعبون أنفسهم لا يحصلون على قرش.

بالتالي هناك مشكلة في النشر العلمي؛ إما أن تنشر بالمجان ولكن سيتوجب على القرّاء أن يدفعوا نحو 30-100$ للوصول إلى بحثك، وإما أن تدفع أنت آلاف الدولارات لنشر بحثك بالمجان. هذا يعني أن النشر الأكاديمي منحصر في نخبة قليلة جدًا تمتلك هذه الموارد.

2. المعايير هي من تضبط الحقائق

السيارات لا تُصنع من الهواء، ولا يمكن لأي سيارة ببساطة أن تسير على الطرقات، بل هناك معايير. هذه المعايير تفرضها الدول على الشركات المصنّعة للسيارات (أو على الأقل تتشارك بصياغتها معها)، والسيارات التي لا تتبع المعايير قد تُمنع من السير على طرقات الدول.

بالتالي عندما تتحدث عن الشبكات المركبية (Vehicular Networks)، فما هذه الشبكات؟ وكيف تعمل؟ وكيف تدير الاتصالات والأجهزة والتردد والشهادات والاستيثاق… إلخ؟ من أين نجد الجواب على كل هذه الأسئلة؟

نجدها في المعايير الرسمية المنشورة لهيئات تنظيم الاتصالات في أوروبا وأمريكا وغيرها من الدول والقارّات. في أوروبا هناك هيئة اسمها ETSI متخصصة في عمل هذه المعايير ونشرها، وفي أمريكا هناك SAE. تنشر هذه الهيئات عشرات المعايير كل عام وتعمل على تحديثها لتواكب العصر وتحديّاته، وبالتالي إن أردت أن تفهم المجال فلا بد أن تقرأ هذه المعايير وتفهمها بالكامل.

للأسف كثير من الأوراق البحثية التي قرأتها تُنشر رغم أنها لا تشير لهذه المعايير إطلاقًا، وتتعامل وكأنها غير موجودة. وبالتالي عند النشر الأكاديمي سيكون من السهل جدًا أن تُبرز خطأ وضعف الآخرين عبر محاكمتهم إلى هذه المعايير.

ما فائدة طريقتك لحماية الخصوصية إن كان لا يمكنني تطبيقها في أي مكانٍ في العالم؟

3. تسجيل براءات الاختراع

طريقتنا لحماية الخصوصية كانت فريدة من نوعها ولهذا أرسلناها للتسجيل كبراءة اختراع في تركيا، ما تزال قيد المراجعة.

إجراءات تسجيل براءات الاختراع تختلف من دولة لدولة، في الاتحاد الأوروبي الإجراءات موحّدة لكن عليك دفع أكثر من 2000 يورو مبدئيًا، وفي الولايات المتحدة نحو 3000 دولار أو ما شابه ذلك. كل هذا فقط للتسجيل المبدئي.

بعدها، هناك تكاليف سنوية عليك دفعها مقابل الاحتفاظ ببراءة الاختراع. فكرة براءة الاختراع هي منع الآخرين من تسجيلها قبلك بحيث إن استخدمها أحدٌ ما في الاستخدام التجاري فسيضطر للحصول على رخصة منك مقابل مبلغ من المال، وبالتالي الدول تفرض أيضًا عليك تكاليف سنوية للاحتفاظ ببراءة الاختراع هذه، وبما أنه هناك تكاليف سنوية فسيكون من غير المنطقي الاحتفاظ ببراءة اختراع لم يستعملها أحد أو لم يطلبها أحد للاستخدام التجاري.

ولهذا غالبًا ما يفعله الناس هو أنهم يسجلون براءة الاختراع لسنة وسنتين وثلاثة… وإن لم يجدوا مهتمين فيها، يتركونها للاستخدام العام.

هناك مكاتب تجارية جاهزة لتسجيل براءات الاختراع، أي أنك لا تتعامل مع الدولة مباشرةً بل مع وسيط يقوم هو بالأتعاب عنك مقابل مبلغ إضافي من المال. التعامل معهم أفضل فكل ما عليك فعله هو ملأ النماذج المطلوبة وشرح براءة اختراعك، ثم هم يقومون بالباقي ويسجلونها لك ويتابعون الإجراءات القانونية.

صحيحٌ أننا سجّلنا براءة الاختراع في تركيا وليس في أوروبا أو أمريكا، لكن لهذا الأمر ميزة:

  • لا يمكن لأي شخص في أمريكا وأوروبا تسجيل براءة الاختراع الخاصة بنا إن كانت مسجلة في تركيا. نعم يمكنهم استعمالها للاستخدام التجاري دون الحاجة لترخيص من عندنا (لأنها غير مسجلة في أوروبا وأمريكا)، لكن لا يمكنهم تسجيلها هم بأنفسهم. فائدة هذا الأمر هو أننا ندفع تكاليف منخفضة جدًا مقارنةً بأمريكا وأوروبا مع الاحتفاظ ببراءة الاختراع.
  • إن اكتشفنا أنه هناك شركة سيارات مثلًا تستعمل الخوارزمية الخاصة بنا، فيمكننا وقتها مباشرةً تسجيلها في أوروبا وأمريكا وإجبارهم على الدفع لنا. وقتها سيكون من المسموح لنا قانونيًا التحجج ببراءة الاختراع التي سجلناها في تركيا لإجبارهم على الدفع.

بالتالي يكون من الجيد الاكتفاء بتسجيلها في تركيا مؤقتًا إلى أن نكتشف هل هناك مهتمون أم لا.

4. الأدوات والتقنيات

كتبتُ أطروحة الماجستير عبر برنامج ليبر أوفيس، بينما كانت الورقة البحثية عبر LaTeX.

للورقة البحثية استخدمنا منصة OverLeaf، وهي منصة إلكترونية تشاركية تسمح بكتابة الأوراق البحثية من أكثر من شخص في نفس الوقت، وهو ما يسهّل العملية. تدعم LaTeX بالكامل وكل الحزم التي تريدها، وتُنشى لك ملف الـPDF مباشرة وأنت تحرر:

أبرز الأدوات التي ساعدتني في إدارة المراجع كان Zotero، وهو برنامج مجاني ومفتوح المصدر يسمح لك بسهولة بإضافة أي صفحة أو ورقة بحثية كمرجع يمكنك الإشارة إليه لاحقًا أو تصديره بأي صيغة تريدها:

لكن أكثر ما أتعبني في التعامل كان برنامج ليبر أوفيس:

  • امتداد Zotero لبرنامج ليبر أوفيس يحتاج الجافا، وقد صرفتُ ساعات من وقتي لجعلها تعمل داخل البرنامج، فرغم أنه لدي جميع إصدارات جافا المطلوبة على جهازي إلا أن ليبر أوفيس ببساطة كان يخبرني أنه لا يوجد لديك جافا، ولا يسمح لي باختيار مسارها يدويًا. اكتشفتُ في النهاية أنني بحاجة لحزمة اسمها liblibreoffice-java.
  • وفي النهاية لم أتمكن من استخدامه؛ لأن الإضافة تضيف ترقيم المراجع كـSuperscript وأنا لا أريد هذا، بل أريد أرقام بالحجم العادي مثل [1] أو [2]. احتجتُ كتابة المراجع والإشارة إليها يدويًا.
  • برنامج ليبر أوفيس ضعيف جدًا فيما يتعلق بترقيم الصفحات ترقيماتٍ مختلفة على حسب القسم؛ فأنا لا أريد ترقيمًا واحدًا لكل الصفحات بل ترقيمات مختلفة. للأسف البرنامج به علل ومشاكل تجعلك تشدّ شعرك عند التعامل معه بخصوص هذا.
  • البرنامج يحفظ المستند بشكل معين أنت تراه، ثم عندما تغلق المستند وتفتحه من جديد ترى شكلًا آخر وتنسيقًا مختلفًا!
  • ترقيم الصور في البرنامج لا يدعم أن تكتب تحت الصور نصًا مثل “Figure 3.2. Sample Text”، بل يجبرك على وضع الرقم قبل كلمة “Figure” وهذا لا أريده. اضطررتُ إلى عملها يدويًا لكامل المستند.
  • إنشاء رسوم بيانية في ليبر أوفيس مشكلة من نوع NP-Complete؛ اضطررتُ إلى تثبيت مايكروسوفت أوفيس عبر PlayOnLinux فقط لإنشاء الرسوم البيانية (Graphs) ثم نسخها ولصقها في ليبر أوفيس كصور عادية.
  • ميزة المراجعة (Review) ضعيفة في ليبر أوفيس؛ أرسلنا المستند إلى أحد المشرفين الآخرين للمراجعة والتدقيق فلم يتمكن البرنامج من عرض رسائل المراجعة والتغييرات بشكلٍ جيد، ولهذا اضطررت إلى استخدام OnlyOffice لعرضها.

بالنسبة لبرمجة نظام المحاكاة فقد برمجتُه بنفسي عبر بايثون OOP؛ أكثر من 5000 آلاف سطر برمجي لمحاكاة شبكات السيارات ونموذج المهاجمة بالإضافة لطُرق الحماية المستعملة. استخدمتُ محرر PyCharm للبرمجة وقد كان جيدًا عمومًا، ولديهم اشتراك مجاني في النسخة الاحترافية للطلاب لمدة سنة. لكنني لم أتمكن من استخدام ميزة الـDebugging؛ الشفرة البرمجية لديّ غير مهيّأة للأداء والمنقّح لم يفتح أبدًا ولم أتمكن من استخدامه مع الشفرة البرمجية، خصوصًا أن معالج حاسوبي قديم من 2017م (Ryzen 1600).

5. التعامل مع المشرف

مشرفي إنسان طيب وخلوق لكنه مشغول معظم الوقت. الرجل يدير ميزانية بحث بأكثر من 100 مليون دولار من الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالشبكات المركبية، ولديه مختبر أبحاث خاص يديره هو (تابع له وليس للجامعة)، وبالتالي وقته ضيّق جدًا.

لم أكن أعلم هذا عندما قدمتُ إليه ليشرف على بحثي، وقد كان بحثي جاهزًا منذ أشهرٍ طويلة إلا أننا ظللنا نمشي ببطء إلى وقت التخرج بسبب انشغاله.

قد يكون هذا أمرًا مهمًا لك؛ المشرفون الأكثر خبرة في المجال غالبًا هم الأكثر انشغالًا وستتعلم الكثير جدًا منهم، لكن ستمشي ببطء إلى أن تتمكن من التخرّج على عكس المتفرغين أكثر الذين هم بخبرة عملية أقل.

خاتمة

كانت هذه بعضًا من تجاربي في برنامج الدراسات العليا، وهناك الكثير مما تعلمتُه أيضًا.

بشكلٍ عام كانت تجربة جيدة تجعل الإنسان يحتك أكثر بالعلم، وأنصح بها لأي شخص يريد أن يتخصص في الدراسات الأكاديمية والنشر والبحث العلمي، فلا غنىً عنها. لكن إن كان طموحك هو سوق العمل فربما قد تكون هذه المواضيع آخر ما تحتك به فيه؛ لأن سوق العمل يتطلب خبرة عملية وممارسة تطبيقية وليس أمور نظرية أكاديمية وأوراق بحثية، وكونك خرّيج ماجستير لن يرفع مقامك كثيرًا في السوق.

ارتحتُ ولله الحمد من أمرٍ كان يأخذ الكثير من حياتي، ولعلي أبدأ رحلتي المقبلة قريبًا وأركّز على مشاريعي الماضية أكثر.

الحمد لله ربّ العالمين

هناك جامع صغير قريب نسبيًا من منزلنا أصلي فيه من فترة لأخرى، خصوصًا صلاة العشاء.

قد يبدو هذا المشهد عاديًا، خصوصًا لمن اعتاده، إلا أنه يأسر قلبي وترتعد منه جوارحي في كل مرّة أشهده ويكأنني أشهده للمرة الأولى؛ كيف نجتمع في صفٍ واحد أو صفٍ ونصف من الناس على الأكثر، من مختلف الأعراق والألوان، ولابسين مختلف الثياب وعارفين لمختلف المهن في الحياة، لنصطف وراء الإمام في هذا الليل البهيم، وتحت صوت الرعد والمطر في الخارج والدنيا تسير وتهيج والناس في كلّ غمٍ وهمّ… إلا نحن، نجتمع وراء الإمام ليقول بصوته العذب الجليّ: {الحمد لله ربّ العالمين! الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إيّاك نعبدُ وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم!}.

كل الناس في مشاغلها في هذه الحياة الدنيا، إلا هذه العصبة الصغيرة التي تراها في الصورة – ومن مثلهم – يجتمعون كل يوم ليطلبوا نفس المطلب من الله: “الحمد لله ربّ العالمين… اهدنا الصراط المستقيم…”. شيوخ وأطفال وشباب، غالبهم الشيوخ الذين لم تتفق أذهانهم على جمال وسحر هذا المشهد إلا بعد أن بلغوا من الكبر عتيًا.

الصلاة في جماعة عالمٌ آخر مقارنةً بصلاة الفرد وحده في بيته، ولكننا قد أكلنا وشربنا من حطام الدنيا حتى لم يعد في مقدورنا المتابعة. إلا أنه وبعد أكثر من 1400 سنة، ما يزال هناك من يصلي كل يوم، ليقولها عاليًا أمام كل الناس: الحمد لله ربّ العالمين.

هذا المكان، وهذا الزمان الذي تقام فيه الصلاة، هو أفضل وأعلى ما يمكن لجماعة الناس – كل الناس – أن يصلوا إليه أو يحققوه في حياتهم. إنه الشيء الوحيد الذي يهم حقًا بغض النظر عن كل تفاصيل الحياة التافهة.

لا يقل المشهد في الطريق إلى الجامع جمالًا وسحرًا عن هذا المشهد؛ فبينما يجلس كل حبيبٍ إلى حبيبه، وأناس تبقى في منازلها إما لاهية وإما لاعبة وإما في شيءٍ آخر… يصطفيك الله وحدك لتمشي وحيدًا في الشارع بعد أن دخل كل الناس بيوتهم، ولم يبقى سواك، لتأتي وتشهد هذا المشهد الباهر. ذهبت الشمس، وذهب الناس، وطلع القمر… وأنت ما تزال تمشي إلى مكانٍ ما لتصلي فيه مع إخوانك، ولا مطلب لك سوى ذلك.

علينا أن نحرّك حيواتنا لتصبح متمركزة حول هذا المشهد والمشاهد الشبيهة به بدلًا من العكس. لا تحاول ضبط العبادة بما يناسب الوظيفة والدراسة والعمل، بل اضبط هؤلاء ليناسبوا العبادة.

إطلاق لينكس اليوم

بحمد الله وتوفيقه يسرني اليوم أن أعلن عن إعادة إطلاق لينكس اليوم؛ بعد أكثر من 3 سنوات على التوقف. يعود الموقع إليكم ليغطّي آخر أخبار البرمجيات مفتوحة المصدر ونظام لينكس، بالإضافة إلى اعتماده نظام الموسوعات ليكون مفيدًا للقادمين الجدد إلى هذا العالم: https://linux-2-day.com

اعتمدنا نظام موسوعة (دوكوويكي) بدلًا من نظام المدونات وذلك لعدة أسباب:

  • المستخدم الجديد للينكس والبرمجيات مفتوحة المصدر بحاجة لقراءة مقالات بتسلسل معيّن، والمدونات متمركزة حول الأخبار والأحداث وهذا ما لا نريده.
  • الويب العربي بحاجة لموسوعات أكثر من حاجته لمدونات، لأن الموسوعات هي محتوى احترافي عالي الجودة يمكن الاستفادة منه حتى بعد مرور سنوات.
  • هناك الكثير من المميزات الجميلة في دوكوويكي والتي قد تغيب في ووردبريس: ميزة إنشاء وتعديل وحذف أي صفحة تريدها بسرعة شديدة، وسهولة العمل الجماعي، بالإضافة لتصدير الصفحات كملفات PDF يمكن حفظها. وهي أيضًا خفيفة على الخادوم فلا تتطلب قاعدة بيانات، بل تحفظ الصفحات كملفات نصية يمكن بسهولة نسخها.
  • نريد أن نشرح الكثير من المواضيع المتعلقة بنظام لينكس والبرمجيات مفتوحة المصدر، ونشر كل موضوع على شكل تدوينات منفصلة لن يكون مناسبًا، الموسوعة هي الأفضل لهذا الخيار.

سنظل نغطي الأخبار كالمعتاد في لينكس اليوم، ولكنها لن تكون تركيزنا الأكبر.

ما يزال الموقع قيد البناء وهناك بعض الصفحات التي لم تكتمل بعد، لكن معظم الأجزاء التي يحتاجها أي مستخدم جديد للينكس والبرمجيات مفتوحة المصدر جاهزة بالفعل، ويمكنك دعوة أي صديق ليقرأ هذه المقالات ويتبعها ليتحول من البرمجيات الاحتكارية وويندوز.

أتشرف بأي تعليقات أو مقترحات على الموقع.

نهاية الكتاب الورقي ومصير المكتبات

التغريدة السابقة هي تغريدة من بين عشراتٍ رأيتُها عن أوضاع الكتاب الورقي والمكتبات. ببساطة الكتاب الورقي في اضمحلال وهذا واضح لأي صاحب مكتبة أو حتى مجرد مهتم بالقراءة والكتب عمومًا.

أنا شخصيًا، من أنصار الكتاب الرقمي وبشدة وضراوة. اشتريتُ قبل عدة أشهر جهاز القارئ الإلكتروني Onyx Boox Note 3 وراجعتُه، وإلى اليوم قرأت عشرات الكتب عليه في فترة وجيزة فقط بسبب مميزاته التي يوفرها:

  • الوزن الخفيف: لا أحتاج حمل كل هذه الكتب معي أينما ذهبت، بل هي مجرد ملفات رقمية أضعها على القارئ الإلكتروني وأفتحها متى ما شئت. يمكنني أن آخذ معي 10000 كتاب ولن يحتاج ظهري لأن يحمل غرام واحد زيادة. هذه النقطة مهمة جدًا ويبدو أن أصحاب المكتبات يغفلون عن أن قسمًا كبيرًا من العرب مهاجرون حاليًا بسبب الأوضاع في مختلف الدول، وبالتالي، لا إمكانية لديهم لإنشاء مكتبات أو حملها معهم أينما ذهبوا.
  • أخذ الملاحظات والمقتطفات: كثير من الأساتذة الذي أسمع لهم يؤكدون كثيرًا على ضرورة امتلاك طالب العلم لدفاتره الخاصة التي يلخص فيها كل ما يقرؤه أثناء رحلته في طلب العلم. لكن أخذ الملاحظات والمقتطفات على الكتب الورقية عملية بدائية جدًا؛ تحتاج أن تستخدم الورقة والقلم، ثم تحتاج أن تؤمن هذا الدفتر بحيث لا يبلى مع السنوات (تنتبه لنوع الورق، الغلاف، الحبر المستعمل… إلخ)، أو لعلك تنقل محتواه من الدفتر القديم إلى دفترٍ جديد كل بضع سنوات مثلًا، وهذه مضيعة للوقت؛ أن تصرف كل هذا الوقت فقط في لوجستيات بدلًا من عملية القراءة والكتابة وأخذ الملاحظات الفعلية. في الكتاب الرقمي؛ يمكنني عبر القلم الإلكتروني كتابة الملاحظات في نفس الكتاب الذي أقرؤه، ثم حفظها إما على نفس ملف الـPDF أو ملفٍ آخر، ثم تصديره لخدمات المزامنة الإلكترونية مثل Dropbox وغيرها بحيث لا يبلى مع الزمن مهما حصل، كما يمكنني استخراج الصفحات التي علّقتُ عليها فقط من بين كل الصفحات وتصديرها هي منفصلةً في ملفٍ منفصل إن أردت ذلك، ويمكنني تحديد أي قسم من الكتاب لأشاركه مع من أشاء وأينما شئت.
  • الوصول: أنا مثلًا مقيم في بلد أجنبي وليس هناك الكثير من المكتبات العربية هنا، وبالتالي لا يمكنني أن أصل لكل الكتب الورقية التي أريد الوصول إليها. الكتاب الرقمي يحل هذه المشكلة، فهو مجرد ملف تحمّله من الإنترنت (إما من موقعه الرسمي بعد دفع المال لشرائه، أو من مصادر أخرى).
  • المال: لنكن صريحين ونقل أن أغلبنا يقرأ العشرات من الكتب سنويًا والتي لم يدفع ثمنها، ببساطة لأنه لا يقدر على ذلك. لا أريد الدخول في النقاش الفقهي حول حقوق الملكية الفكرية وهل هي من الإسلام أم لا، وهل يجوز لصاحب العلم كتمه تحت غطاء المال ثم منع الآخرين من توزيع الكتاب بعد شرائهم إياه… إلخ، لكن المحصلة العملية والنتيجة الملموسة التي يمكننا الجميع الإحساس بها ببساطة هي أننا لن نحتاج الدفع لقاء كل هذه الكتب الكثيرة جدًا التي نقرؤها إن استخدمنا الكتاب الرقمي.
  • المزيد من المال: الكتب الورقية بعد شرائها بحاجة لمكان تخزين، ولهذا أنت بحاجة لعمل مكتبة وشراء إطارات ولوجستيات… إلخ بحيث تحتفظ بكتبك التي قرأتها لترجع لها بعد مدةٍ من الزمن إن احتجت ذلك. كل هذا أنت في غنىً عنه إن استخدمت الكتاب الرقمي، فهو مجرد ملف على جهازك الإلكتروني.

أقول كل ما سبق لأؤكد لأصحاب المكتبات والمهتمين بالقراءة: نهاية الكتاب الورقي حتمية، ولا يعني هذا بالضرورة أنه سيختفي من الوجود مثلًا، بل سيصبح حصير المكتبات وفئة قليلة جدًا من الناس التي تفضل رائحة الكتاب وملمسه مع فنجان القهوة الصباحي بدلًا من الفعالية والإنتاجية الحقيقية في القراءة.

لكن المشكلة هي أن أصحاب المكتبات، كما في التغريدة التي استفتحنا فيها هذه التدوينة، لا يدركون هذا الأمر، بل يريدون أن يحفروا في نفس الخندق رغم جميع العوامل والمؤشرات التي تخبرهم أنه لم يعد هناك ذهبٌ هنا.

على أصحاب المكتبات إذًا تطوير أنفسهم ومكتباتهم بحيث تواكب العصر وتهيئ نفسها لهذه النهاية الحتمية:

  • إن كان لديك كتب ورقية فالآن هو أفضل وقت لتصويرها بنفسك وإتاحتها للشراء رقميًا عبر موقع إنترنت تابع لمكتبتك. لا تخف من القرصنة؛ إن كان الكتاب مهمًا فسيُقرصن في جميع الأحوال، لكن وضعك إياه رقميًا سيجلب لك مبيعات من الناس القادرين أو المريدين لذلك من كل أنحاء العالم، على عكس تركه ليشتريه أولاد حارتكم فقط.
  • على المكتبات أن تغير من نموذجها الربحي. بما أنه لم يعد هناك الكثير من الناس الذين يشترون الكتب الورقية فعلى المكتبات أن تبحث عن طرق أخرى لجعل الناس يدخلونها، حتى لو كانوا لن يشتروا الكتب منها. أنا مثلًا – صدقًا – كنتُ لأحب الجلوس في المكتبات التي لديها مجموعة من الكتب النادرة مثلًا وأقرأ فيها لمدة ساعات، لكن الحاصل هو أنه في معظم العالم الإسلامي ما تزال المكتبات مجرد نقاط بيع (Point of Sale)؛ يريدون بيعك الكتب دون أي مكان للجلوس أو قراءة هذه الكتب، فقط اشترِ الكتب واذهب من هنا. على هذا النموذج أن يتغير ويمكن فعل ذلك بطرق عدة: نوادي للقراءة، مسابقات قراءة جماعية حول كتاب معين مع جوائز، افتتاح مقهى صغير داخل المكتبة وتهيئة مكان للجلوس الطويل واستعارة الكتب وقراءتها داخل المكتبة دون أخذها للخارج باشتراك شهري… الكثير من الأفكار موجودة.
  • هناك خدمات جانبية يمكن للمكتبات توفيرها، فأنا مثلًا أبحث منذ فترة عن أي كتب قد تفيدني في مجالات تشكيل الفِرَق وإدارتها، وإدارة المشاريع الفردية التي أفتتحها وأريد جلب فريق معي ليساعدني، والنظام الوقفي في الإسلام وطريقة تطبيقه على مشاريع معرفية مثلًا وعلاقة ذلك بعلم الإدارة… لكنني ببساطة لا أعرف أسماء هذه المجالات بالضبط أو لم أتمكن من العثور على كتب بالأفكار التي ذكرتُها. هنا يمكن أن يأتي دور المكتبات والقائمين عليها؛ فهم تمر عليهم آلاف الكتب ويمكنهم أن ينصحوني مثلًا بأسماء لكتب يستحسنونها لي بمقابل مادي (مثل استشارة مدفوعة حول القراءة). فكر في هذا المجال قليلًا وستجد الكثير من الأفكار الأخرى التي يمكنك تطبيقها.
  • إن كنت تبحث عن أفكار للتطبيق العريض (Applying at Scale) فمن بينها مثلًا التعاقد مع خبراء حول مجالات معرفية معينة وربطهم بالقرّاء المهتمين بتلك المجالات المعرفية (والتي تشمل الكتب الموجودة في مكتبتك). فمثلًا، إن كنت صاحب مكتبة بها الكثير من الكتب حول علم الاقتصاد، فيمكنك أن تربط الطلاب الجدد أو المهتمين عمومًا بعلم الاقتصاد وكتبه بالمتخصصين في علم الاقتصاد الذين تعرفهم أو الذين يمكنك الوصول إليهم، وتأخذ أجور مادية من الطرفين لقاء الجلسات التعليمية التدراسية هذه حول الكتب التي عندك. هكذا تتحول المكتبات إلى مراكز تعليم بين معلم وطالب يجلس كل اثنان منهم على طاولة ليتناقشوا حول الكتاب.
  • المكتبات أفضل مكان للحملات الجماعية لتمويل ترجمة العلوم إلى اللغة العربية؛ افتح حملة إلكترونية واطلب جمع 5000$ لقاء ترجمة الكتاب الفلاني من الإسبانية إلى العربية وتوفيره لكل من اشترك في حملتك. أنا أعلم أن المكتبات بحاجة للدفع لقاء حقوق الطبع والنشر، وبحاجة للدفع للمترجمين والمدققين وغير ذلك، وكل هذا فقط لتوفير كتاب واحد ليستفيد منه الناس. يمكنك أن تستفيد من نادي القراءة التابع لمكتبتك في معرفة الكتب التي يطلبها الجمهور، ثم توفرها لهم “حصريًا” عبر هذه الحملات التي تعملها.

الأفكار كثيرة جدًا كما ترى ولا تنتهي، لكن المهم هو التطبيق. إن كان أصحاب المكتبات يظنون أن الناس ستظل تشتري منهم رغم كل التطور التقني المتزايد كل يوم في القراءة الإلكترونية فهم مخطئون، ويراهنون على الفرس الخاسر.

ولهذا فتدارك الأزمة من الآن وتهيئة الحلول لمواجهتها هو أفضل حل بدلًا من انتظارها لتأتي ثم الخروج من العمل والإغلاق عند ذلك.