3 سنوات على التخلص من فيسبوك

تمر هذا الشهر 3 سنوات على حذف حسابي من فيسبوك والتخلص منه، شرحتُ أسبابي لفعل ذلك في التدوينة الأولى، ثم سجّلت شعوري في العام الأول وكذلك في العام الثاني.

الآن نحن في العام الثالث.

ما تزال النعم التي أُحطتُ بها عند تخلصي من فيسبوك تزداد، ولا تكادُ تحصى.

مضت خلال هذه السنوات الكثير من الحوادث والمُجريات التي علّق الكثير من الناس عليها؛ ترامب، بايدن، الانتخابات، تفجير لبنان، كورونا، اللقاح ، الصين، طالبان، التغير المناخي، الذكورية، النسوية، قتل الزوجات لأزواجهن وقتل الأزواج لزوجاتهم، استجواب الشيوخ في مصر، العنصرية ضد السوريين… قضايا كثيرة أشبعها أهل العالم الأزرق ضربًا وطحنًا ونقاشًا بين بعضهم البعض، ثم ذهبوا في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يحصل ليبحثوا عن مواضيع أخرى ليطحنوا بعضهم فيها.

الحمد لله الذي عافانا من كل ذلك، الذي عافانا من أن نقول كلمةٍ لا نلقي بها بالًا قد نهوي بها إلى النار، أو يرتفع ضغطنا أو ينخفض فقط لأن أحد مجاهيل الإنترنت يريد الخوض معنا في عراك.

  • “مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ”.
  • “إنَّ أحبَّكم إليَّ وأقربَكم منِّي في الآخرةِ محاسنُكم أخلاقًا، وإنَّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم منِّي في الآخرةِ أساوِئُكم أخلاقًا الثَّرثارونَ المُتَفْيهِقونَ المُتشدِّقونَ”.
  • “قلتُ يا رسولَ اللهِ، ما النَّجاةُ؟ قال أمسِكْ عليكَ لسانَكَ، وليسعْكَ بيتُك، وابكِ على خطيئتِكَ”.

انظر إلى هذه الشريعة العصماء كيف تدفع الناس إلى تقليل الكلام، والسكوت، والانكباب على العمل وفعل الخير، بينما جميع مواقع التواصل هذه أول ما تستفح عليك به: “بماذا تفكر يا محمد هاني؟ عن ماذا تريد أن تكتب؟ فلان علق عليك ورد على منشورك وكتب كذا وكذا”.

الغيبة والنميمة التي حذّر منها هذا الدين، تشجع هذه المواقع عليه عبر أزرار “إعادة المشاركة” فيبدو لصاحب المنشور أن فلانًا وفلانًا يقولون عنك كذا وكذا وكذا.

ومن أجل ماذا؟ للتسلية وإضاعة الوقت، وحتى هذه الفائدة التي تظن أنها فائدة ليست كذلك بالواقع، وقد شرحتُ في المقالات السابقة كيف أن كتابًا واحدًا تقرؤه عن المجالات التي أنت مهتمٌ بها تغني عن ألف ألف منشور فيسبوك مبعثر هنا وهناك، لأن الكتب مكتوبة بمنهجية وتسلسل ومواضيع محددة ومن خبراء، بينما المنشورات الاجتماعية مجرد جرعة دوبامين أراد أن يستفزها أحدهم.

أريد من الناس أن يتخلوا عن هذه المواقع والعادات السيئة، أريدهم أن يتحرروا كما تحررت.

وجدتُ أن أفضل حلٍ لذلك إشغالهم – لا شعوريًا – بالقرآن، وهذا عن طريق فيسبوك نفسه. نعم، فيسبوك الذي تركتُه قبل 3 سنوات صرتُ أستعمله كأداة لإخراج الناس منه.

صفحتنا “دقائق من القرآن” التي تحدثتُ عنها مسبقًا في موضوع الأتمتة، تكاد تقترب إلى 100 ألف متابع. آية بسيطة يسمعونها – مُختارة بعناية لتحدث فيهم تأثيرًا – قد تُخرجهم من الوحل الذي هم فيه. من أجمل لحظات حياتي عندما يسألني أحدهم عن اسم القارئ في تلك المقاطع الصغيرة، لأتفاجئ به بعد أسبوع وهو ينشر تلاواتٍ على حسابه لوحده بدلًا من التفاهات التي كان ينشرها مسبقًا. تتغير حياته ويتغير ما يستمع إليه، فقط لأنه سمع مقطعًا جميلًا لتلاوةٍ جميلة على صفحة فيسبوك رآها بالصدفة.

لا يمكننا إخراج الجميع ببساطة وسهولة من ذلك القفص، لكن تحويلهم على الأقل من التفاهات إلى أسمى ما يمكن للإنسان أن يسمعه في الوجود خطوةٌ أولى. لا يمكننا حل المشكلة من جذورها بكبسة زرّ، لكن يمكننا استعمال نفس الأنظمة وفق المقدور عليه للخلاص منها.

أدعو جميع من يقرأ هذه التدوينة، إلى فعل نفس الأمر وترك ذلك العالم الأزرق يحترق بما فيه، ورؤية الحياة كما هي في الواقع ثم العمل على تغيير النفس وتغييرها، فما تعلمه من مشاكل وعيوب نفسك جديرٌ بأن تغلق عليك بابك، وتبكي على خطيئتك.

إن لم تمتلك مدونة فامتلك

يجب على كل إنسانٍ معاصر قادر على امتلاك مدونة شخصية أن يمتلكها.

يزورك فيها الناس ليتعرفوا عليك وعلى أفكارك، أو لربما يتصلون بك عبرها للاتفاق على خدمات وصفقات ومشاريع يمكنك أن تنفذها. تنشر فيها بأريحية عن كل ما يمكنك النشر عنه، ضامنًا وجودك في هذا العالم وأن كل شخصٍ يبحث عن شيءٍ متعلق بالمجالات التي تجيدها سيصل إليك.

دونها، ستظل مجرد حساب فيسبوك وتويتر يمكن إغلاقه في أي وقت أو سلب المحتوى منه، هذا عدا عن أن حسابات التواصل الاجتماعي غير مناسبة للأرشفة والبحث وتصفح المحتوى والمقالات، بل هي بوابة لنشر منشورات وتغريدات سريعة لإيصال الرأي والفكر لا أكثر ولا أقل، وتنتهي فاعليتها – غالبًا – بعد 24 ساعة من نشر التغريدة أو المنشور.

المدونة أكبر من ذلك، المدونة هي بيتك الرقمي.

  • تعرّف فيها عن نفسك وخبراتك للآخرين.
  • توثّق فيها تجاربك في الحياة في مختلف المجالات.
  • تتواصل مع أناس آخرين قد يشاطرونك نفس الاهتمامات، ويعلّقون على محتواك.
  • تنشر فيها أفكارك عن أي شيء تريده، ضامنًا أنها لن تنتهي بمجرد موتك.

أعرف الكثير من الأصدقاء المتخصصين أصحاب الخبرات الذين عملوا في العشرات من الشركات على امتداد حياتهم واكتسبوا تجارب لا تعد ولا تحصى، لكن ببساطة لا أحد يعرفهم، لأنهم لم يكتبوا عن تجاربهم ولم ينشروها أو يوثّقوها في مدوناتٍ شخصية.

بالنسبة للعالم الخارجي، هؤلاء غير موجودين، إن ماتوا فجأة فلن يعرف أحدٌ عنهم شيئًا إطلاقًا سوى من تعامل معهم مباشرةً، وحتى من تعاملوا معهم مباشرةً لن يعرفوا كل شيءٍ عنهم، بل فقط ما تعاملوا معهم به.

سينقضي أثرهم وينتهي بمجرد وفاتهم، لأنه لا يمكن الوصول لأفكارهم وآرائهم وما أنتجوه من نتاج فكري بعد موتهم. والمدونة الشخصية هي أسهل وأبسط حل لتجنب ذلك؛ فقط أنشأ مدونة وضع رابطها في حساباتك على مواقع التواصل.

تكلفة المدونة الشخصية بسيطة:

  1. 10$ ثمن اسم نطاق سنويًا (مثل mhsabbagh.com).
  2. 5$ شهريًا ثمن خادوم VPS من أحد شركات الاستضافة.
  3. الباقي فقط تثبيت برمجة ووردبريس (أو أي نظام إدارة محتوى تريده) وعمل المدونة الشخصية.

إن لم تكن تريد كل هذا، فيمكنك ببساطة البدء مع المدونات المجانية من ووردبريس، فقط سجّل عندهم وستحصل على مدونة مجانية يمكنك فعل ما تشاء بها. بعد أن تبني جمهورك وتصبح قادرًا على الدفع، يمكنك الانتقال إلى خادومك الخاص.

توفيت قبل يومين أحد الأخوات ممن كان لهن فضل في مواجهة الخطاب النسوي والذكوري، وحث الناس على فعل الخير، هناء الماضي رحمها الله، أثرها لم ينتهي بوفاتها، ببساطة لأنها منشورة على مدونتها الشخصية وقناتها على تلجرام.

في وفاة صافي

عندما كنتُ صغيرًا كنّا نسكن ببيتنا القديم في حيّ العزيزية بحلب. كان من جيراننا زوج وزوجة لديهما ولدان اثنان، كانت هذه العائلة كثيرة المشاكل لكنني ككل الأولاد كنت ألعب معهم من حينٍ لآخر وكنا نذهب لنشتري الحاجيات من البقّال مع بعضنا البعض. حياة روتينية بين الجيران.

وصلني اليوم للتو خبر مقتل الأمّ والابنين الاثنين بقذيفة أثناء عبورهما الحدود التركية السورية.

لقد كنّا نسكن نفس المبنى وظللنا نسكنه لسنوات، لكن سبحان الله كيف اختلفت حياتنا هذا الاختلاف الكبير.

الأولاد لم يكونوا متعلمين ولم يذهبوا للمدارس بينما أنا ذهبت. وكانوا من الطبقة الفقيرة عمومًا ولذلك حالهم لم يكن مستقرًا، وقد كانت هناك مشاكل عائلية جمّة في عائلتهم. عمل الأولاد في المهن الحرفية المختلفة من نجارة وحدادة والمطاعم وغير ذلك ولم يتمكنوا أبدًا من متابعة الدراسة.

اليوم وبينما أنا أتجهز للبدء بإعداد أطروحتي بالماجيستير عن شبكات الجيل الخامس والشبكات المركبية والخصوصية، لا يسعني سوى أن أتذكر شريطًا طويلًا من الذكريات مع أولئك الأطفال الذين عاشوا حياةً طويلةً من المشاكل والمعاناة والفقر، ثمّ انتهت حياتهم بقذيفة أثناء محاولتهم الهروب من تلك الحياة.

إنه من المثير للاهتمام جدًا كيف تختلف حياة ساكني المبنى، وكيف تختلف الأقدار التي كتبها الله لهم.

لا يسعني هنا سوى التذكير بأننا نحن، أهل النعم الذين أنعم الله علينا بوسائل التعلم والعلم والرفاهية والاستقرار المختلفة، علينا واجبٌ ومسؤولية ضخمة لا يمكن أن يستوعبها عقل. وهي مسؤولية تكبر كل يوم ولا تتوقف عن النمو، بينما نحن في ذواتنا نصغر للأسف منزوين في زوايانا حول مشاكلنا التافهة وأزماتنا المفتعلة.

من الواجب علينا أن ننشر كل ما لدينا من علم لمن استطعنا، وأن نغير حياة كل من دوننا في الإمكانيات والرزق للأفضل. هذه النعم الجمّة التي أحاطنا الله بها هي شيءٌ سنُسأل عنه يوم القيامة وعن ماذا فعلنا فيها عندما قدرنا عليها.

صافي كان اسم الفتى الذي كنتُ ألعب معه، بين السيارات والحارات.

رحمة الله عليك يا صافي أنت وأهلك، وأسأل الله أن يبدلكم حياةً أفضل من الحياة البائسة التي عشتموها في هذه الدنيا.

كيف تغير العمل الحر منذ 5 سنوات ولماذا هو المستقبل؟

دوّنت قبل أكثر من خمس سنوات تجربتي مع العمل الحر، وكيف أنني تمكنت من تغطية تكاليفي ومصاريفي – كطالب – بنفسي بالاعتماد على مهارات التدوين والكتابة والترجمة ولينكس والبرمجيات المفتوحة وغيرها.

اليوم سوق العمل الحر العربي اختلف كثيرًا عن السابق، وهناك تطورات أكبر تجعل العمل الحر في وضعٍ أفضل مما كان عليه قبل 5 سنوات.

سنتحدث في هذه التدوينة عن بعض تجاربي الشخصية في الويب الأجنبي كمستقل وكيف يمكن جني الأموال هناك من التدوين والكتابة والمهارات التقنية، كما سنتحدث عن آخر التطورات في العمل الحر عربيًا.

تجربتي في الويب الأجنبي والعمل المستقل

قد يعلم البعض أنني أدير FOSS Post؛ وهي منصة أجنبية باللغة الإنجليزية حول لينكس والبرمجيات مفتوحة المصدر. ندوّن فيها عن مختلف المواضيع من شروحات ومقالات مطوّلة ومقالات رأي وتحليلات وغير ذلك. لدينا حوالي 50 ألف زائر بالشهر.

في أيام ذروتها – وقبل أن أخمل عن التدوين فيها – كانت FOSS Post تدرّ نحو 200-300$ شهريًا من الإعلانات. هذه الإعلانات كانت تأتي من أرباح جوجل أدسنس. 

كانت تأتينا دفعة قوية من الزيارات عند نشر كل مقال جديد بسبب خدمة Google Discover (شيء مثل 20 إلى 30 ألف زائر في أقل من 48 ساعة)، وهي خدمة من جوجل يبدو أنها تنشر روابط المقالات الجديدة والمثيرة للاهتمام لجمهورٍ عريض من المستخدمين على أجهزة الموبايل، فيأتينا نحو 70-100$ ربح بمجرد نشر مقالة جدلية مثيرة للاهتمام.

بما أننا ندوّن في مجال البرمجيات مفتوحة المصدر فهناك جمهور مستعد للتبرع ودعم المشروع. كانت تصلنا أحيانًا ما بين 40$ إلى 70$ شهريًا فقط من أرباح التبرعات:

من المُلاحظ أن هذه التبرعات كانت تأتي من الجمهور المهتم بالمواضيع التي نغطّيها؛ فمثلًا إذا كتبنا مراجعة عن توزيعة أوبن سوزا، كان أحدهم يأتي ويتبرع بـ50$ مباشرةً لوحده. أي أن هذه التبرعات كان من الممكن لها أن تكبر وتستمر عبر تغطية مشاريع أخرى مفتوحة المصدر لها جمهور أكبر.

المصدر الثالث الكبير للأرباح هو من بيع الروابط؛ تأتينا كل فترة عروض لإضافة روابط دوفلو (DoFollow) إلى بعض مقالاتنا. نبيع الرابط الواحد بحوالي 60 إلى 100$. كل شهر هناك رابط أو رابطان نبيعهما بهذه الطريقة.

هناك بعض الداعمين لنا على موقع باتريون، وعددهم لا يتجاوز 3 حاليًا وقد كانوا 5 لعدة أشهر قبل ذلك. لا بأس بهم لتغطية تكاليف خادوم الـDigitalOcean (سعر الاستضافة) وسعر اسم النطاق على الأقل.

للأسف منذ عدة أشهر أنا لم أتفرغ لـFOSS Post ولذلك خَمَلَت الأرباح وانخفض تدفق الزوار إلى الموقع بنسبة 40% بسبب تحديثات جوجل المستمرة على خوارزميات البحث، ولدينا بعض المشاكل التقنية على الموقع فيما يتعلق بالسرعة مثلًا والـSEO. 

أنا منشغل ببرنامج علمي منضم إليه بالإضافة إلى دراستي بالماجيستير ولدي مجموعة مشاريع أخرى لذلك لم يبق لي وقت للتدوين والكتابة فيها، لكنني متأكد يقينًا أن أي شخص متخصص كان بسهولة ليكون قادرًا على تحصيل صافي 1000$ أرباح كل شهر إن عمل على مثل هكذا مشروع بتفرغٍ كامل.

هناك شركة برمجيات طبية أمريكية عملتُ معها لفترة، وكنا نتفق على مقال من حوالي 1000 إلى 1500 كلمة بمقابل $150 للمقال الواحد. معرض أعمالي على FOSS Post أفادني جدًا للحصول على هذه الفرصة وهذا أمرٌ لا ينتبه له الكثيرون؛ أن أعمالك ومشاريعك السابقة قد تجلب لك هي فرص عمل مستقبلية حتى لو كانت مجانية في ذاتها.

الويب الأجنبي مليء بالفرص والجمهور المستعد للمتابعة والاهتمام، فقط يحتاج شخصًا متفرغًا لمتابعة العمل عليه، تمامًا كأي مشروع سواءٌ في بلاد العرب أو في بلاد الغرب.

وأنا شخصيًا عدت إلى الكتابة والتدوين في الويب العربي بعد تدوينة طويلة أوضحت فيها الأسباب.

نظرة على آخر التطورات في الساحة العربية للعمل الحر

عندما عدتُ إلى الساحة العربية والعمل الحر فيها، وجدتها لم تعد كما في السابق.

جائحة كورونا التي بدأت في أوّل 2020م دفعت بالكثير من الشركات والمؤسسات والأفراد إلى دخول سوق العمل الحر، سواءٌ كموظِفين أو كموظَفين. هناك مواقع كثيرة افتتحت حول المجال وصار الناس يتكلمون عن العمل الحر في كل مكان.

ابحث فقط الآن عن العمل الحر وستجد مئات التدوينات والمقالات حول الموضوع من مواقع شتى. هناك أيضًا مواقع صارت متخصصة بتعليم العمل الحر.

في السعودية تحديدًا صار هناك على ما يبدو هيئة رسمية وظيفتها إعطاء شهادات للعاملين في مجال العمل الحر لتمكينهم من استخدام العمل الحر كوظيفة أساسية رسمية وفتح حساب بنكي عليها بدلًا من الاعتماد على الشركات الرسمية والوظائف التقليدية فقط.

هناك العديد من منصات العمل الحر الأخرى التي افتتحت في العالم العربي (عددها ربما يفوق العشرة)، ومنها ما هو محلي ومنها ماهو على امتداد العالم العربي. لكن الجيد عمومًا – بغض النظر عن التفاصيل – هو أنّ ثقافة العمل الحر تكبر في عالمنا، ولعلنا قريبًا لا نخجل إن تقدمنا لخطبة بنت أحدهم وقلنا له أننا مستقلون لا نعمل في الوظائف 🙂

للأسف وسائل الدفع ما تزال مشكلة للبعض في العالم العربي، فوسيلة الدفع الوحيدة هي بايبال (PayPal) وهو غير مدعوم في العديد من الدول. لكن لحسن الحظ أن خدمة TransferWise (أو Wise الآن بعد تغيير اسمها) صارت تتيح فتح حساب بنكي أمريكي عند إيداع مبلغ 20$ فيه، أي أنه يمكنك بسهولة ربط البيبال مع Wise ثمّ سحب أرباحك من العمل الحر إلى البنك المحلي في مدينتك بعد أن تستلم الأرباح.

آمل أن تفكر منصات العمل الحر المختلفة باستخدام العملات الرقمية، مثل بتكوين، لإرسال أرباح المستقلين، فحينها نكون قد تخلصنا من حاجز كبير يقف أمام الكثيرين في العمل الحر.

خمسات ومستقل: السوق الرئيسي

في العمل الحر عربيًا لا يوجد هناك منافس حقيقي لخمسات ومستقل، لا من حيث الجودة ولا من حيث الحجم. ترتيبهما على التوالي في أليكسا 5192 و11558، وهو ما يعني أنهما يحصلان على الملايين من الزيارات يوميًا.

عدد الطلبات على الخدمات في خمسات قد تضاعف بشكلٍ كبير منذ جائحة كورونا، ويوميًا هناك مئات الطلبات الجديدة على مجتمع خمسات. لاحظتُ كذلك أن الكثير من الخدمات الرخيصة التي كانت موجودة قبل 5 سنوات لم تعد موجودة اليوم؛ أي أن المستقلين صاروا يطالبون بمبالغ أعلى بكل أريحية. فمثلًا بالسابق كنت بسهولة تجد خدمة تصميم شعار مع الملف المصدري بـ5$، لكن الآن هذا يكلفك نحو 20-30$ تقريبًا على خمسات بفضل تطويرات الخدمة. كنتَ أيضًا تجد من يكتب لك عدة مقالات من 700 كلمة بـ5$، اليوم لم يعد هذا موجودًا.

على مستقل، نفس العميل الذي كان يفاصلني على الكلمة قبل 5 سنوات صار هو نفسه العميل الذي لا مشكلة لديه في أن يدفع لي ضعف المبلغ لأعمل على مشروعه. قبل 5 سنوات كانت أسعار العمل الحر في التراب لأن المجال كان جديدًا وكنّا نحن – كمستقلين – نرضى بالقليل فقط من باب تيسير الحال وانعدام البديل.

اليوم هذا تغيّر، هناك على الأقل 20 مشاريع كل يوم على موقع مستقل ميزانيتها أكثر من $250، ومنها المشاريع الهندسية ومنها المشاريع الدينية ومنها المختلف في مجالاتٍ شتّى.

وهذا أفضل في الواقع للبائع والمشتري معًا، فهذه هي التسعيرة الحقيقية للجهد المطلوب لإنتاج المحتوى الإبداعي. وقد كان يشتكي بعض أصحاب العمل من انخفاض جودة الأعمال التي يقدمها المستقلون، متناسين أن الأسعار التي كانوا يعرضونها كانت في التراب، وأن المهارة تكلف الكثير من المال. لقد انتقلنا أخيرًا من بخس الأسعار إلى الوضع الطبيعي لِمَا يجب أن تكون عليه عروض العمل، وهذا أفاد الطرفين، فالمستقلون الآن قادرون على الإبداع بأقصى طاقتهم طالما أنهم يُدفع لهم بصورة جيدة.

حجم العاملين في مجال العمل الحر على مستقل وخمسات تضاعف هو الآخر، فكل طلب على موقع خمسات أو مستقل عليه عشرات المستقلين المختلفين يتنافسون حول من سيربح المشروع، وهذا أمرٌ رائع للغاية.

لماذا العمل الحر هو المستقبل

رغم كل النمو الحاصل، ما أزال أؤمن أن مجال العمل الحر له حجم ومكانة أكبر مستقبلًا. نمط الوظائف التقليدية لا يناسب الكثير من المجالات التقنية، وبما أن التقنية هي من يقود العالم اليوم، فالكثير من الوظائف التقليدية مصيرها حتمًا أن تنتقل إلى العمل الحر أو على الأقل إلى العمل عن بعد (وهو رديف العمل الحر).

أؤمن أن العمل الحر هو المستقبل:

  • لأن نظام العمل حسب المهام (Task-driven) أنسب وأرخص وأسهل للعمل لكلا الطرفين بدلًا من التوظيف الكامل.
  • لأن العمل الحر في 99% من الأحيان يكون عن بعد كذلك، والعمل عن بعد مريح للطرفين فأنت كمستقل يمكنك العمل من أي مكان به جهاز حاسوب واتصال بالإنترنت، وكصاحب المشروع لن تعود بحاجة إلى استئجار أو شراء مكتب وفرشه بالأثاث المناسب للموظفين ودفع تكاليف خيالية لاستضافة هؤلاء الموظفين كل يوم.
  • أنه عندما تعمل عبر الإنترنت، فأنت هنا تتخلص من القيود المحلية الجغرافية وتحصل على فرص عمل من مختلف أنحاء العالم. وكصاحب مشروع، لا مشكلة لديك مثلًا في توظيف شخص يعيش في مدغشقر طالما أنه قادر على إتمام العمل. هذا يعني أن سوق المهارات والخبرات المتوفرة لك كصاحب مشروع قد اتسع فأنت لم تعد محدودًا بالناس المقيمين في بلدك أو مدينتك.
  • العمل الحر مناسب بطبعه للكثير من المجالات التقنية كالكتابة والترجمة والتصميم والبرمجة وما شابه ذلك، فبمجرد إنتاج المخرجات يكون استلام الأرباح.

لعل الشيء الوحيد الناقص عربيًا حاليًا هو الثقافة المجتمعية؛ مثلًا يمكنك أن تتوقع نوعًا من الصعوبة إن تقدمت لخطبة فتاة وقلت لأهلها أنك تعمل كمستقل في مجالات مختلفة وليس وظيفة محددة. كما أنه هناك نوعٌ من المشاكل البيروقراطية في الدول في الحصول على حالة “موظف” لدى الدولة بدلًا من عاطل عن العمل، وفتح الحسابات البنكية وما شابه ذلك. تركيا مثلًا تعتبرني عاطلًا على العمل منذ أن تخرجت من الجامعة، بينما أنا غارقٌ بالأعمال إلى أذني 🙂

لكن ذلك يتغير تدريجيًا، ونأمل أن يصبح العمل الحر أكبر وأوسع وأفضل مما هو عليه الآن.