عامٌ كامل من دون فيسبوك

كتبتُ قبل عامٍ مقالًا أعلن فيه إغلاق حسابي على فيسبوك وعدم العودة إليه مجددًا. وبالفعل، لم أعد أستخدم حسابي بل حذفتُه بالكامل.

الحياة الحقيقية رائعة.

لعل أبرز ما لاحظته خلال تلك الفترة هو أنّ مواقع التواصل وخصوصًا فيسبوك تصيب المرء بأمراضٍ نفسية لا حصر لها. شخصيته التي يتحدّث ويناظر بها على فيسبوك ليست هي نفس شخصيته لو قابلته وتحدثت معه على أرض الواقع. ويكأنّك تتحدث مع إنسانٍ مختلف تمامًا.

على فيسبوك، الهدف هو كتابة تعليقات ومنشورات تجذب أكبر عدد ممكن من اللايكات والمتابعين، وهو بدوره ما يهيّج التنمّر الإلكتروني (Bullying) في الناس فيدخلون في جدال وشِتَام لكل خلق الله الذين يعرفونهم والذين لا يعرفونهم. والمثير في الموضوع هو أنّ تكلفة إضافة تعليق جديد صفر، فيمكنك رمي التعليق والهروب، ويمكنك شتم فلان ثم عمل بلوك له لكي لا يردّ عليك، ويمكنك أن تقول ما شئت أينما شئت وقتما شئت دون أن يكون عليك رقيبٌ ولا حسيب. كيف يمكن للناس أن يعيشوا في بيئةٍ كهذه؟ نعم، إنّهم يعيشون فيها 24 ساعةٍ في اليوم، فالفيس مفتوحٌ طوال الوقت.

Read More

عن الرصاصة الرابعة التي لم تأتي: يوم كدتُ أن أموت

قبل 7 سنوات وعندما كنتُ في سوريا – حلب، وعندما كان عمري 15 عامًا، اضطررنا لمغادرة منزلنا بسبب الاشتباكات بين قوات النظام والمعارضة. لكننا احتجنا أن نعود لجلب بعض الأشياء الثمينة.

ظهرت فجأة عربة BMP تابعة لقوات النظام بينما كنتُ أمشي في شارعٍ مفتوح، وكانت تقترب من مدخل المبنى الذي كنتُ أقف بجانبه. لم أدرك وقتها أنّه في داخل هذا المبنى كان يوجد جنودٌ جرحى تابعون لقوّات النظام، وكانت عربة الـBMP تلك تحاول إنقاذهم، بينما كان هناك قنّاص تابع لقوات المعارضة يتصيّد كل ما يتحرّك في المنطقة.

فجأة بدأ القنّاص بإطلاق النار عليّ، أطلق 3 رصاصات، واحدة منها أصابت الشجرة التي كنت أختبئ تحتها واثنتان مرّتا من يميني وشمالي وعلى مسافةٍ أقل من 50 سنتيمتر. لم تصبني أيٌ منها. كان المخرج الوحيد للهروب هو الركض عبر ممرٍ مفتوح يمكن للقنّاص أن يراني عبره، فركضتُ من هناك.

كانت هناك تلك اللحظات التي تشعر بها ويكأنّها ساعات، لحظات كنتُ أنتظر بها الرصاصة الرابعة لتأتي وتنهي حياتي هذه المرّة، لكن هذه الرصاصة الرابعة، والحمد لله، لم تأتي.

بعد شهرين، خرجنا من سوريا لتركيا. واليوم وبعد ساعةٍ واحدة فقط من تاريخ كتابة هذه التدوينة، تكون حفلة تخرّجي كمهندس وعالم حاسوب من أحد جامعات اسطنبول المعروفة، وبمرتبة الشرف.

حصل الكثير خلال هذه السنوات، ومعجزات أخرى لا مجال لسردها اليوم، لكن شيئًا واحدًا ظللتُ أفكّر فيه طوال تلك المدّة – ولا أزال – هو الموت. كان يمكن لكل أحلامي وطموحاتي ومشاريعي أن تنتهي مع تلك الرصاصة الرابعة، وأنضم إلى قافلة المليون قتيل في سوريا منذ اندلاع الحرب. لم تأتي تلك الرصاصة إليّ، لكنّها أتت إلى الكثيرين غيري، وكنتُ أتساءل يا ترى لماذا لم تأتي إلي بينما أتت إلى غيري؟ يكاد الفضول يقتلني عن الحياة المُقدّر لي عيشها والأشياء التي سأفعلها، وهل سأموت غدًا أم بعد 20 سنة.

خلال كل تلك السنوات، لا يسعني سوى تذكّر نعم الله وفضله وعطائه وكرمه عليّ. وأنّه لولاه لهلكت وانتهت حياتي قبل أن تبدأ حتّى. اليوم، لي مشاريعٌ عديدة تقنية وسياسية ودينية تصل لعشرات الآلاف من الناس شهريًا، كل هذا، لأن تلك الرصاصة الرابعة لم تأتي. أمزحُ كثيرًا مع بعض أصدقائي عندما يسألوني: “كيف أنت اليوم”؟ وأقول لهم: أنا “عايش”.

من أجل هذا ردّدتُ أكثر من مرّة أن أحد أكبر دوافعي إلى الأمام في الحياة هو الموت. طالما أنّك تعلم أنّك ستموت لا محالة، وقد تموت غدًا فجأة بحادث سيّارة، أو بعد 20 عامًا بالسرطان، فحينها من الأفضل أن تحاول إنجاز الأشياء التي تريد إنجازها قبل أن تموت بسرعة. ولكننا نحن البشر، نكّارون للجميل ننسى ونعيش حياتنا كأن شيئًا لم يحصل بعد بضعة أيام.

لا يسعني هنا التفصيل في فضل مولاي وسيدي عليّ، فما حصل لي خلال هذه السنوات من رعاية الله وحفظه لي شيءٌ عجيب أنا نفسي لا أكاد أصدّقه. ومن رأى التفاصيل وعايشها ليس كمن سمع عنها من بعيد. لا أدري كيف يطيبُ لبعض البشر أن يتخلّوا عن الله؟ وكيف يستلذون بشرب الماء وهم لا يؤمنون بمن خلقه، ولا يعبدونه، وإن عبدوه أشركوا معه شيئًا ما.

الحمد لله، دائمًا وأبدًا.

تخلّصوا من عقدة افتتاح المدونات التقنية

ما أن يبدأ شباب اليوم في التدوين حتّى يفكّروا في افتتاح مدونة تقنية. ابحث فقط في أرشيفات المجتمعات العربية النقاشية على الإنترنت وستجد الجميع لا يهتم بشيء سوى التقنية والتقنية. أنا أفهم أن التقنية مجال رائع وفيه الكثير من الفرص بالإضافة إلى أنّ العمل فيه سهل نسبيًا، حيث لا تحتاج إلى شيء سوى حاسوب، لكن الموضوع “طفح عن حده” كما يقول إخواننا باللهجة المحلّية فعلًا.

أرى كل يوم مجموعة مدونات تقنية جديدة كلّها مثل بعضها، “كيف تقوم بتثبيت البرنامج الفلاني”، “كيف تقوم بفرمتة ويندوز”، “10 إشاعات حول شكل الآيفون الجديد”.. يسعى أصحاب هذه المدونات إلى الربح السريع ويرون أن باقي المدونات والمواقع العربية الكبرى التي تجلب ترافيك تقوم بتغطية هذه المواضيع، فيقومون هم بتغطيتها كذلك وهذا خطأ. حتّى مع قيامك بنفس الشيء الذي يقومون به لن تصل إلى ما وصلوا إليه. وضع وإمكانيات المليونير ليس كمن لا يملك دفع إيجار المنزل.

السوق “مُشبع” بالمدونات التقنية. لا حاجة لنا بالمزيد من مدونات أخبار الهواتف والحواسيب المحمولة وغير ذلك. هناك 10000 مدونة عربية مثل مدونتك المجانية التي قمتَ بإنشائها على بلوجر أو ووردبريس، لماذا سنتابعك أنت المجهول الجديد ولدينا محتوى ومواقع وناس أفضل منك؟ وبالفعل، معظم هذه المدونات تستمر لبضعة شهور ثم يتم إقفالها.

كلامي ليس موجهًا لكل التفاصيل المنطوية تحت كلمة “تقنية”، وإنمّا أتحدث عن تلك المدونات العامّة. نعم نحن بحاجة إلى مواقع ومنصّات متخصصة مثلًا بتغطية البرمجة بلغة Go، أو متخصصة بلغة Rust، أو برمجة تطبيقات الآيفون، أو ووردبريس واستخداماته المتقدمة من الألف إلى الياء، أو استخدام خدمات AWS، أو مدونة عربية متخصصة بالذكاء الاصطناعي، أو المعالج الطبيعية اللغوية.. هذا ما يُسمّى “بالنيتش”، احرص على أن تختار جمهورًا ضيقًا تجمعه فكرة محددة بدلًا من أن تكتفي بعمل مدونة الخزعبلي للمعلوميّات وتنشر فيها سمك لبن تمر هندي ثم تلعن الإنترنت لأنّهم لا يدعمونك ولا يفتحون محتواك.

الآن هذا الشقّ هو المتعلّق بالتقنية وتفاصيلها، لكن عمومًا، المدونات التقنية بغض النظر عن تفاصيلها كثيرة بالفعل. الويب العربي لا يملك إلّا القليل من المدونات حول السياسة، الزراعة، الأدب، الهندسات، علم الفلك، علم الوجود، الدين، اللغة العربية، الكيمياء، الفيزياء.. هل فعلًا لا يثير أي مجالٍ في كل الدنيا اهتمامك سوى التقنية؟ لعل الموضوع حينها متعلّقة بشخصك وسوء فهم لهذا المجال أو إغفال لأشياء رائعة أخرى في الحياة كان يُمكن أن تبدع فيها بدلًا عن شروحات تفعيل ويندوز 10 باستخدام الكراك.

لحل هذه المشكلة، تخيل نفسك بعد 5 سنوات، هل كنتَ لتكون سعيدًا وأنت تعمل في نفس المهنة؟ تخيل نفسك وأنت بزوجة وأولاد، هل كنتَ لتكون مستعدًا لمتابعة العمل بهذا المجال (مهما كان)؟ وأنت على بعد ثوانٍ من وفاتك، هل كنتَ لتكون سعيدًا بما قدّمته في حياتك عن طريق هذا المجال؟ إن كان الجواب لهذه الأسئلة هو لا، فحينها أنتَ في المكان الخاطئ.

ابحث في TED عن تخصصات الناس وما يفعلون، أو انظر في التاريخ وكيف صنع الناس أمجادهم، أو لعلك تنظر في الواقع فترى ما نحن فيه فتبدأ مشروعًا يكون هو حياتك ووفاتك في نفس الوقت لتغيير هذا العالم.. الحياة أكبر من هواتف جالكسي أو لغة Go أو خدمات SEO أو ريادة أعمال.