تعال وتعلّم كيف يمكن للأتمتة أن تسهّل عمل مشاريعك وخدماتك

أنا على اطلاعٍ على خدمات الأتمتة الأجنبية الشهيرة مثل Zapier وIFTTT منذ سنواتٍ طويلة جدًا. بالنسبة لي انطباعي العام حولها كان أنّها مجرد خدمات بسيطة لنشر المواضيع من مدونتي على ووردبريس إلى منصّات التواصل الاجتماعي تلقائيًا بدلًا من أقوم بذلك بنفسي، وتسعيرها المبالغ فيه والعمليات المجانية المحدودة دفعاني إلى عدم الاهتمام بها أو التعمّق في المجال أكثر من ذلك.

إلى أن تعرّفت على خدمة أتمتة جديدة قبل بضعة أشهر، غيّرت مفهومي تمامًا نحو الأتمتة وسهّلت من حياتي التقنية ومهامي الروتينية بشكّل لا يصدّق. أريد أن أعرّفكم على تلك الخدمة اليوم وكيف يمكن أن تستخدموها كذلك.

لكن قبل ذلك، دعني أصغ لك بعض السيناريوهات التي يمكنك تنفيذها عبر هذه الخدمة:

  • لديك 500 صورة تصميم (اقتباسات مثلًا لمشاهير أو أي شيء.. إلخ) وتريد نشر واحدة منها كل يوم على حساباتك في فيسبوك وتويتر تلقائيًا دون أي تدخّل منك إطلاقًا الساعة 6 مساءً كل يوم؟
  • لديك مثلًا عدة حسابات فيسبوك أو تويتر أو قنوات تلجرام، وتريد عمل بوت بحيث يكون ما ترسله له يتم نشره على كل القنوات والحسابات المربوطة التي تريدها؟
  • لديك 40 فيديو عن موضوع معيّن، وتريد نشر فيديو واحد من هذه الفيديوهات بشكل تسلسلي كل يوم إلى أن يتم نشرها جميعًا، ثم تُعاد عملية النشر منذ البداية تلقائيًا؟
  • تريد إرسال إشعار يصلك على هاتفك المحمول ومتصفّح الويب الخاص بك كل يوم الساعة 7:40 صباحًا لتذكيرك بشيء معيّن؟
  • تريد أخذ كل ما ينشره حساب ما على تويتر، ثم تنشره أنت بشكل خاص على مجموعتك بفيسبوك؟ مثلًا أخذ كل ما ينشره حساب الـ+500 نقطة على هاكرنيوز ونشره تلقائيًا في حسوب I/O؟
  • لديك استبيان على Google Forms، تريد أخذ النتائج منه تلقائيًا ونقلها إلى مستند على Google Spreadsheet؟
  • لديك 10 آلاف طالب في البرنامج التعليمي الخاص بك، وتريد منهم أن يملؤوا نموذج أسئلة وأجوبة، ثم يتم تقييمهم جميعًا ووضع علاماتهم في ملف واحد؟
  • تريد مراقبة مجلّد معين في Dropbox بحيث كل ما يتم وضع صورة جديدة فيه، يتم نشرها تلقائيًا على المنصات الاجتماعية التي تحددها؟
  • تريد إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى بريد معيّن عندما يحصل أي حدث معيّن على الويب (عن طريق ربطه بـAPI أخرى)؟
  • تريد ربط أي أحداث ومُخرجات لخدمات مثل WordPress, Trello, Google Docs, Dropbox, GMail, Telegram, Facebook, Twitter والمئات من خدمات الويب الأخرى المختلفة مع بعضها البعض بحيث تعمل سيناريوهات أتمتة أكثر تعقيدًا؟

نعم، كل ذلك ممكن مع هذه الخدمة. وأنا متحمّس لها – كما ترى من أسلوبي – لأنني رأيت العشرات من المشاريع التطوعية من الداخل، وأعلم كيف أنهم ينفقون عشرات الساعات من وقتهم على تنفيذ تلك المهام الروتينية كل يوم، فأشعر بالسوء من الأعمار التي تضيع في مثل هذا 🙂

اسم الخدمة هي Integromat، وكنتُ قد ذكرتُها من قبل في بعض مواضيع مدوّنتي. عثوري عليها واستحساني لهذه الخدمة كانا نتيجة بحثٍ متواصل ومكثّف عن خدمات الأتمتة على الويب لعدّة أيام وتجريب معظمها بنفسي، ويمكنني بأريحية القول أنها أفضل خدمة أتمتة على الإطلاق.

تعتمد الخدمة على ما يسمّى بـ”السيناريوهات” وهي ببساطة أعمال الأتمتة المختلفة التي تريدها عملها. فإذا كنت تريد نشر كل مواضيعك من ووردبريس إلى فيسبوك ثم إلى تويتر، فيمكنك عمل هذا في سيناريو واحد إن أردت أو تقسيمها إلى سيناريوهين.

كل سيناريو يحوي على وحدات Modules، هذه الوحدات هي ببساطة الخدمات المدعومة من قبل Integromat حاليًا مثل فيسبوك وتويتر وGmail وGoogle Docs وTrello وWooCommerce والعشرات غيرها… عددها حاليًا قد يصل إلى 500 خدمة مختلفة.

مبدأ الأتمتة بسيط جدًا: قم بربط كل وحدة تريد العمل معها بشكل تسلسلي مع الوحدات الأخرى إلى أن تقوم ببناء السيناريو الذي تريده. فإذا كنت تريد نشر كل مواضيعك من ووردبريس تلقائيًا بمجرد نشرها إلى فيسبوك وتويتر، فكل ما عليك فعله هو وضع وحدة ووردبريس في بداية السيناريو، ثم ربطها بوحدتيْ فيسبوك وتويتر على التوالي. وهكذا بالنسبة لأي شيء قد يخطر على بالك.

إليك مثل على كيفية استعمالي لها:

لدي صفحة فيسبوك أديرها بها عشرات الآلاف من المتابعين حيث أرفع لهم اقتباس أو تصميم كل يوم، أنا لا أصمم الاقتباسات كل يوم ولكنني أصمم 20 أو 30 منها دفعةً واحدة. أريد تسهيل عملية النشر والجدولة على نفسي، فلا أريد أن أفتح فيسبوك وأفتح الصفحة ثم إعدادات الجدولة ثم رفع الصورة ثم تحديد ال30 صورة كلها الواحدة تلو الأخرى ووو… بل كل ما أريده هو أن يتم رفع الصورة تلقائيًا بمجرد أن تصبح على جهازي، الواحدة تلو الأخرى كل يوم الساعة 9 مساءً.

لحل المشكلة، سأحتاج استخدام خدمة تخزين سحابي مثل Dropbox. سأضع كل الصور التي صممتها في مجلّد واحد وسأسمّيه pictures، وسيكون أسماء الملفّات على الشكل 1.png, ثم 2.png، ثم 3.png… وهكذا. أحدث صورة أصممها ستكون صاحبة الرقم الأكبر. السيناريو سيكون مكون من قسمين:

  • الساعة 8:57 مساءً، قم بعمل سرد لمحتويات المجلّد pictures، هل ترى ملفّات صور جديدة لم يتم نشرها من قبل؟ إذا كان الجواب نعم، فقم بأخذ أسماء هذه الصور الجديد وأضفها إلى الذاكرة في طابور. (مثلًا سيكون طابورنا مكوّنا الآن من 99.png ثم 100.png ثم 101.png، هذه هي الصور الجديدة التي قمتُ بتصميمها اليوم).
  • الساعة 9:00 مساءً، قم بأخذ الصورة صاحبة الرقم الأدنى من الطابور (رقم 99.png في حالتنا) ثم انشرها تلقائيًا لي على صفحة الفيسبوك. احذف 99.png من الطابور، ثم قم بتعيين رقم الصورة المقبلة إلى الصورة التالية (100.png في حالتنا).

ثم كرر العملية كل يوم، ببساطة!

وفّرت من عمري عشرات الساعات عبر تطبيق هذا السيناريو، تخيّل كم ساعةً قد يستغرق مني جدولة 700 صورة مختلفة بنفسي على فيسبوك وفي كل مرة أصمم دفعة جديدة من الصور 🙂 بدلًا من ذلك كل ما فعلته هو بناء السيناريو هذا، ووضع الصور في مجلد، ثم سيتم جدولتها تلقائيًا ونشرها في الوقت الذي أريده دون أي تدخل مقبل لي من هنا إلى 700 يوم مقبل (يعني سنتين تقريبًا!).

الآن تخيّل معي مالإمكانيات التي يمكنك تطبيقها كذلك للخدمات الأخرى مثل Trello أو Google Docs أو Google Forms أو WooCommerce وال600 خدمة مختلفة الأخرى.

الخدمة تسمح لك مجانًا بـ1000 عملية شهريًا بالإضافة إلى تبادل بيانات 100ميغابت و1ميغابت من التخزين المحلّي. كافية جدًا لتبدأ ثم بعدها سيكفيك اشتراك الـ9$ شهريًا إن أردت وهو ثمنٌ بخس إن قارنته بما تقدّمه الخدمة لك من توفير الوقت والجهد.

أرغب في أن ينتشر استخدام خدمات الأتمتة مثل هذه عربيًا لتسهيل الأعمال الروتينية على أصحاب الشركات والمؤسسات والمبادرات التطوعية في العالم العربي، لكي يصبح تنفيذ هذه الأعمال أسهل وأسرع على الناس. لهذا كنتُ أفكر في عمل كتاب عربي عن هذه الخدمة ويبدو أنني سأشرع في ذلك قريبًا إن شاء الله.

أنصحك بالبدء في استخدامها في كل مهامك، صحيحٌ أنك قد تراها معقّدة أو تحتاج التمرّس لعدة ساعات وأيام في الوهلة الأولى، لكنني أؤكد لك أنّه استثمارٌ سيعود عليك بالنفع الكبير على المدى البعيد.

للمزيد عن الخدمة وللتسجيل، تصفّح هذا الرابط (رابط إحالة): https://www.integromat.com/?pc=mhsabbagh

سكربت مجلّد: خطوة نحو كتبي الأولى

عملتُ في الأسابيع الماضية على تطوير سكربت “مجلّد“، وهو تطبيق ويب مكتوب ببايثون وإطار العمل فلاسك، يقرأ من ملفّات ماركداون ثم يعرضها على شكل كتاب مترابط.

كنتُ أريد البدء في الشروع بكتابة عدة كتب قبل فترة، لكن مشاكل التحرير وبرامج الكتابة والتنسيق ووو… كلها دفعتني للتأجيل والتسويف اللامتناهي. لهذا خطرت على بالي فكرة تطوير هذا السكربت ليكون بديلًا عربيًا صغيرًا لخدمة Gitbook الشهيرة. والقراءة من ملفّات ماركداون مباشرةً ستختصر عليّ الكثير من الوقت والجهد.

السكربت ناضج بشكل جيد حاليًا ويدعم التصميم التجاوبي. أفكّر في إضافة إمكانية التصدير إلى PDF مستقبلًا فيه.

لديّ مشاريع عدة كتب في ذهني:

  • دليل الأمان الرقمي: كيفية حماية نفسك ومختلف أجهزتك من الأخطار الأمنية وانتهاكات الخصوصية على الشبكة.
  • دليل الأتمتة العربي مع Integromat: هذه الخدمة خدمة رائعة بديلة لـZapier وIFTTT وغيرها من أجل عمل الأتمتة على الويب. لي شهور معها وتمرّست في استخدامها وهي رائعة بحقّ. أرغب بكتابة هذا الدليل للأفراد والشركات والمبادرات التطوعية الذين يهدرون مئات الساعات على وظائف وأمور روتينية كان يمكن أتمتتها في دقائق.
  • كتاب عن لينكس والبرمجيات المفتوحة.
  • كتاب عن تطوير تطبيقات بايثون مع GTK لسطح المكتب.
  • بعض المشاريع الأخرى.

سأرى على أي واحدٍ من هؤلاء سأعمل أولًا، لكنني مهتم بسماعة آرائكم.

في وفاة يوغرطة

فُجعتُ البارحة صباحًا بخبر وفاة الصديق يوغرطة بن علي – الجزائر. يوغرطة كان مؤسس المجلة التقنية وكان مديرًا لأكاديمية حسوب لفترة وله عدة مشاريع تقنية أخرى، يعرفه معظم المدونين التقنيين العرب لسبقه في هذا المجال.

عملتُ قبل خمس سنوات مع يوغرطة على العشرات من مشاريع ترجمة المقالات التقنية الإنجليزية إلى اللغة العربية لنشرها على أكاديمية حسوب. وقبل ذلك بعدّة سنوات كنتُ متابعًا لتجربته في المجلّة التقنية وهذا لكي أستفيد منها في تجربتي مع لينكس اليوم، تنافسنا مرّة ومجموعة من المدونات سنة 2011م على جائزة أرابيسك للمدونات وكان هو الفائز في التدوين الإخباري 🙂

آخر فترة بضعة شهور كان يوغرطة يقرأ الكثير من الكتب وينشر ملخّصها باللغة العربية على موقعه، وكنت شغوفًا بمتابعتها. في الفترة الذهبية للتدوين التقني العربي كانت المجلة التقنية من أول بضع مواقع يذكرها المرء عند الحديث عن التقنية باللغة بالعربية.

لم نتقابل من قبل ولا أعرف يوغرطة بدرجة شخصية كبيرة، ولكن من تعاملي معه عن بعد ومتابعتي لأعماله لمدة 10 سنوات، أقولُ أنّه كان إنسانًا بشوش الوجه وحسن التعامل والُخلُق.

موته المفاجئ هذا يحفّز الكثير من الأسئلة الوجودية في داخلي، وهو شاب في عزّ الشباب.

لقد كان يوغرطة مثلي وكنت مثله، ولهذا فإنني على الرغم من عدم التقائي به شخصيًا إلّا أنني أحس بوجع وألم الوفاة.

  • الموت قريبٌ منّا جميعًا. لا نسمع نحن معشر التقنيين العرب عن كثيرٍ من أخبار الوفيات بيننا، ووفاة يوغرطة كان تذكيرًا قويًا وتنبيهًا بأنّ أيًّا قد يموت في أي لحظة تمامًا كأي إنسان.
  • ما ستتركه ورائك مما أفاد الناس هو السبب في أن يترحّموا عليك ويطلبوا لك من الله المغفرة.
  • لا وقت لتضيّعه. مجددًا: لا وقت لتضيّعه. تلك المشاريع التي ترغب في عملها والمقالات التي ترغب في كتابتها والأشياء التي تريدها… كلها قد تنتهي فجأة في أي لحظة مع موتك ولا تدري متى يحصل هذا.
  • الخلق الحسن وبشاشة الوجه شيءٌ لا يقدّر بثمن. لا زلتُ أذكر كيف راسلني على تدوينة نشرتها قبل سنة عمّا حصل لي مسبقًا ورغم أنها رسالة قصيرة وبسيطة إلّا أنّ وقعها كان كبيرًا عليّ وقتها وأقول يا لجمال هذا الإنسان الذي أخذ من وقته دقيقة ليهنّئني ويتمنى لي الخير. ويا سبحان الله كيف يتابع حياته من كاد يموت ببضع طلقات من قنّاص في حرب بينما يموت مبكرًا من يعيش بين بلاده وأهله.
  • صار لديّ الآن دافعٌ آخر للتدوين والتأليف بالعربية. لا أظن أنّ الأجانب سيترحمون عليّ بسبب المقالات التي نشرتُها لهم، كل ما سيقولونه RIP وهذه الـRIP لن تنفعك تحت الثرى.
  • على المرء أن يبادر بإنشاء الصدقات الجارية اليوم قبل الغد، سواءٌ كانت مشروعًا مستمرًا أو كتابًا أو أي شيء.
  • أحتاج مراجعة نفسي وطريقة تعاملي مع الآخرين. رغم أنني أمضيتُ وقتًا طويلًا في محاولة إصلاح نفسي الخشنة والفظّة والقاسية إلّا أنني لاحظتُ أنّه هناك فرقٌ كبير بين أسلوب ردودي وأسلوب ردود يوغرطة، وأنّ كثيرًا ممن ترحّموا عليه أشادوا – مثلي – ببشاشة وجهه وصدره الرحب وخلقه الكريم. ولعل هذا من فضل الله على حامل القرآن.
  • أحتاج أن أكون أقرب إلى أخبار الموت، وأن أسأل الناس كل يوم: “من فقدتم اليوم ومن كانوا”؟. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “كفى بالموت واعظًا”، ويبدو أنني انهمكت في تفاصيل الحياة اليومية حتى شرّدتني عن هدف ودافع حياتي، حتّى فاجئني هذا الخبر وتذكّرت أنّ الموت أقرب إليّ مما أتصوّر.

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ورحم الله صاحبنا وأسكنه فسيح جنّاته.

المشاكل الخطأ: المرور والسيارات أنموذجًا

مساق Vehicular Networks هو أحد المساقات (Courses) التي آخذها في الماجستير هنا في الجامعة وهو المساق الوحيد في هذا الموضوع في كامل تركيا وواحد من ضمن 10 مساقات أخرى على مستوى العالم. أرانا الدكتور بضعة حلول سريعة لمشكلة السيارات ذاتية القيادة وكيف أننا في المستقبل سنعمل على بروتوكولات شبكة تساعد تلك السيارات على التواصل مع نقاط Access Point عند إشارات المرور للقيام بأشياء مختلفة (التواصل مع السيارات الآخرى، ضبط ترافيك السيارات وتشغيل وتعطيل الإشارات الحمراء تبعًا لذلك، الإبعاد لسيارات الإسعاف تلقائيًا إن كانت قادمة… إلخ). كل هذا شيء جميل ويعتبر آخر ما توصّل له العلم في المجال (state-of-the-art)، ولكنني توقفت وقلت يا سبحان الله كيف يحل الناس المشاكل الخطأ.

شعوري وأنا أشاهد تطبيقات هذه المشكلة وكيف أنهم يعتمدون على الأقمار الصناعية والتمييز البصري والشبكات اللاسلكية السريعة وتقنيات الذكاء الصناعي ووو…. كل هذا فقط من أجل إدارة المرور، ولم يفكّر واحدٌ منهم أنه يحل مشكلة كان يجب ألّا يعمل على حلّها أصلًا. حياتنا اليوم في المدن لأشبهها لك هي كمثل امتلاك كل شخص لطائرة صغيرة في بيته، ومدرّجات في كل أنحاء المدينة وناطحات سحاب لا شيء لها سوى أن تراقب مرور هذه الطائرات بين الملايين من الناس الذين يستعملونها داخل المدينة، مع حاجة كل واحدٍ منهم لشراء طائرته ومراقبة مكوّناتها وأعطالها، ومئات من الأشياء الأخرى التي سنخترعها لنتمكّن من الحصول على بضعة ملايين طائرة صغيرة تطير داخل المدن. ثم تجد المهندسين والعلماء منهمكين في اختراع الحلول هنا، دون أن يفكّروا لماذا بحقّ الله تطير الطائرات أصلًا داخل المدينة؟

جامعتي تبعد بالضبط 8.5 كيلومتر عن منزلي، ولكنني بحاجة إلى استغراق 35 دقيقة في المواصلات ﻷصل إليها رغم أنني من المفترض أن أكون قادرًا على الوصول إليها في 10 دقائق بالسيارة. النقل العمومي مقرف وطويل ومتعب، طبيعي إذًا أن يشتري الناس سيارات ليتمكّنوا من الذهاب أينما يشاؤون بسرعة.

لكن المشكلة الأمّ هي هذه، وليس كيف نجعل السيارات أكثر ذكاءً واستقلالية بحيث تقود لوحدها ونحن مرتاحون. كان يجب علينا – كجنس بشري – أن نحل مشكلة “لماذا النقل العمومي سيء”؟ بدلًا من أن نسمح لكل شخص بامتلاك سيارته. يجب ألّا يمتلك أحدٌ سيارة داخل المدينة، في الواقع، يجب ألّا يكون هناك طرقات أصلًا داخل المدينة إلّا على حدود ضيقة وفق الحاجة.

إذا لم يكن هناك طرقات كثيرة، ولن يكون هناك سيارات، فكيف سنتحرّك إذًا؟ ببساطة: عبر استخدام نقل عمومي لا يقرف ويوصلك إلى المسار المطلوب بأسرع وقت ممكن، وعبر جعل الوسيلة الوحيدة للانتقال من مكان إلى آخر هي عبر النقل العمومي الممتاز. هذا ما يجب أن نعمل على إيجاده.

تعمل شركة تيسلا حاليًا مثلًا على إمكانية نقل الناس بمسافة 430 كيلومتر في 30 دقيقة، أي أقل مما أحتاجه للوصول إلى جامعتي التي تبعد عني 8.5 كيلومتر. ألا يوجد عاقل في مراكز صناعة القرار ليفكّر الآن في نفسه ليستنتج أنّه ربّما، ربّما فقط لدينا مشكلة في النقل؟ مالذي سيكلف أي دولة لإنشاء شبكة مواصلات تحتية مثل Hyperloop ولكنّها تغطي كل نقطة في المدينة وتنقل الناس فقط في مكوكات/كبسولات بدلًا من السيارات؟ أليس العمل على شيء مثل هذا، ثم التخلّص من الباصات والسيارات والطرقات والحاجة إلى رخص القيادة وإشارات المرور والضجيج والغبار والتلوث والوقود وووو…. كل الأشياء التي عملناها على مدار قرن ونصف من الزمن فقط من أجل السيارات سيكون أفضل؟

لكن المشكلة أعقد من هذا. المشكلة هي أننا كدول غير قادرون على اتخاذ مثل هكذا قرار لأسباب طويلة عريضة تبدأ بالرأسمالية وتنتهي بالديموقراطية. شركات السيارات ستحشد لعمل لوبي (Lobby) لمنعك عبر الديموقراطية من الحصول على الأصوات التي تحتاجها لتمرير شيء مثل هذا لأنك ستنهي الحاجة إلى وجودهم، والناس المتخلّفون سيفضل كل واحد منهم الاحتفاظ بسيارته على باب بيته بدلًا من إراحة الجنس البشري كمجموع، والقطاع العام الضعيف لا يمتلك لا قدرات بحث علمية ولا هندسية لتطبيق شيء مثل هذا على مدينة مثل اسطنبول يسكنها 15 مليون إنسان. دعك من تفاصيل فكرة النقل العمومي الممتاز الخرافي، لأنّك حتى لو أنهيت كل التفاصيل فستظل الفكرة فكرة ولن تحصل بسبب القيود التي وضعناها على أنفسنا كمجتمعات بشرية.

البشر لا يدركون أنّ التكنولوجيا والأتمتة والاختراعات التي وصلنا لها اليوم قادرة على تحويل حياتهم إلى جنّة، لكنهم يستمرون في حروبهم الصغيرة بين هذا الحزب وذاك، هذا فضلًا عن صنّاع القرار المترهّلين الذين لا تمتلك عقولهم قدرة على إدراك شيء مثل هذا. ولا حاجة لأن أذكر لك مشاكل الفساد والتدخّلات الخارجية وأمور طويلة عريضة كلّها تعيقنا عن تحقيق ما نحن قادرون عليه.

هذا فقط مجرّد مثال على حلّ البشر للمشاكل الخطأ، لكنك إذا تأملت في الواقع من حولك ستجد الجنس البشري يسعى بعبث لحل الكثير من المشاكل الخاطئة كذلك في مختلف القطاعات بسبب العوائق السياسية والاجتماعية والعرقية التي فيه.

كذلك بيروقراطية الدولة التي توظّف 2 مليون موظف فقط من أجل التوقيعات واتخاذ قرارات تافهة وإضاعة أوقات الناس والتي كان يمكنها عبر الأتمتة التخلص منهم جميعًا ثم إعطاؤهم مدخول شهري مجاني يكفي لسد حاجياتهم بدلًا من ذلك، كل هذا لن يحصل.

التمعّن في الحياة من وجهة نظر مهندس ومصمم رائع. إنّه يؤكد لك أنّ خالق هذا الكون أبدع في تصميم هذا الدين وقواعده وحلاله وحرامه ثم ما أن تجد البشر يعبثون في الكون دون الاستمساك بشيءٍ من شرع ربهم يتيهون فيه ويضرون أنفسهم أكثر من نفعهم إيّاها، ويحلّون مشاكل هم أنفسهم السبب فيها. اقرأ في سير سلف الأمّة وستجدهم كان يكرهون مضغ الطعام لأنّه يضيع أوقاتهم وأعمارهم، وأجد صعوبة في تصديق أنهم سيسرّون بالهراء الذي نعيشه اليوم في النقل. ولكن أعمى البصيرة لا يدرك أنّ من جعل الدين كاملًا في التشريع لن يغيب عنه أن يجعل تبعات اتباع هذا الدين هي الطريقة المثلى للعيش في الحياة الدنيا. أظننت أنّه يحكم العقيدة والفقه والصلاة، ثم يتركك تتوه وتخبط بعشواء في بقية حياتك الدنيا ولا يعبئ بما تفعله وتتبعه أيفيدك أم يضرك؟

وجدتُ هذا صحيحًا في الكثير من الأفكار الأخرى، حيث يجعل الله تعالى عقاب المرء الذي لا يتبع هديه هو نفسه ما يريده ذلك الشخص ويبغيه. فعقاب اتباع الربا هو نفسه ما تعانيه المجتمعات اليوم من الديون والفائدة ونقص بركة المال والفقر وانعدام التوزيع العادل، رغم أنّ الناس إن سألتهم اليوم في الشارع هل تريدون هذا أم شيئًا آخر، لقالوا لك نريد هذا والـ2% زيادة في نهاية الشهر ثم لا يعنينا شيء. عقابهم هو نفسه ما يبغونه، وهم عميان لا يرون أنّ المزيد من هذا هو نفسه ما يحذرونه.