مأمورون نحن في إسلامنا بإخفاء أعمالنا وصدقاتنا الجارية وعدم إبدائها لأحد، فهو أدعى للإخلاص وطلب الثواب والأجر عند الله تعالى دون انتظار شيءٍ من البشر. لكن ما دفعني إلى كتابة هذه التدوينة اليوم هو أنه على الرغم من كل محاولاتي السابقة لتشجيع وتحفيز الناس لاستخدام التقنية عمومًا والأتمتة خصوصًا لتسهيل حياتهم ومشاريعهم وعمل المبادرات التي يريدون عملها بسهولة، فهم لا يزالون لا يفهمون بالضبط عن ماذا أتحدث وكيف يمكن لهذه الأشياء أن تعمل معهم.

إنهم يظنون أنها شيءٌ صعب لا يمكن فعله إلا من المحترفين، أو شيء سيحتاج الكثير من المتابعة لاحقًا… وهذا غير صحيح.

أنا مضطرٌ، على مضض، للحديث اليوم عن مشروعٍ بدأت العمل عليه قبل حوالي السنة. واضطراري هذا هو لأنه يبدو أنني لا أمتلك طريقةً أخرى لشرح فائدة هذه الأدوات العظيمة في خدمة أمتنا وأهدافنا دون أن أقدم نموذجًا كاملًا لها.

دقائق من القرآن” هي مبادرة فردية أنشئتها في بداية جائحة كورونا. كان الفيروس لا يزال جديدًا على الساحة والرعب منه كبير والمرء يتحسس الموت على رقبته اليوم أو غدًا. فكّرت في نفسي أنني لو متُ في يومٍ من الأيام بسببه فلا أريد لعملي أن ينقطع، وأريد صدقة جارية أن تستمر ورائي.

وجدتُ أبسط حلّ لفعل ذلك هو إنشاء صفحة على فيسبوك تعرض فيديو، كل يوم، مدته دقيقة، لتلاوة مختارة من القرآن الكريم. اخترت هذا لأنه طالما المطلوب هو الحسنات فإيصال كلام الله إلى الناس كل يوم هو أمرٌ ممتاز بذاك الخصوص، وفي الحديث: “أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ”. دقيقة أو دقيقتين تلاوة خاشعة جميلة قد تغيّر حياة إنسان ما، فقد تجعله يترك الموسيقى أو يتجنب منكرًا أو يصير يهتم بالقرآن شيئًا فشيئًا، فيجرّه القرآن إلى أمورٍ أخرى هو بحاجتها.

عمومًا، عمل ذلك سهل نظريًا، فكل ما عليك فعله هو إنشاء صفحة فيسبوك ثمّ رفع الفيديوهات يومًا بعد يوم… صحيح؟ لا. هنا المشكلة. أنا أعمل وحدي (أو أريد أن أعمل وحدي) وبالتالي في حال حصل لي مكروه فلن أتمكن من رفع الفيديوهات وستنتهي هذه المبادرة والصفحة معها، كما أنني غير قادر على متابعة المشروع يوميًا (مهما كان المطلوب صغيرًا)، لا أريد تعيين مشرفين وما إلى ذلك فهذا سيجعل المبادرة تتوقف حتمًا بعد فترة إن ملّ ذاك الشخص… مالحل إذًا؟

الأتمتة (Automation) هي الحلّ.

بفضل خدمة Integromat التي كنتُ قد حدثتكم عنها مسبقًا، وباشتراك 9$ شهريًا فقط (المزيد عن هذا في نهاية التدوينة) يمكنني أتمتة الكثير من المهام تلقائيًا، وجعل الصفحة ترفع بنفسها الفيديوهات التي أريدها دون أي تدخل مني، وتعيد رفعها تلقائيًا بمجرد الانتهاء من رفعها جميعًا.

هكذا، باستمرار، إلى الأبد، أو إلى أن يشاء الله.

سيناريو الأتمتة كان على الشكل التالي:

ببساطة لديّ مجلد على خدمة المزامنة Dropbox يحتوي جميع مقاطع القرآن التي أريد نشرها على الصفحة، وهي مرقمة حسب الأرقام مثل 1.mp4 وهكذا… لدي ربما حوالي 20 مقطع قصير لتلاوات القرآن الكريم جمعتها من اليوتيوب بعد تقطيعها لفيديوهات مدتها لا تتجاوز الدقيقتين أو الثلاث دقائق:

يقوم سيناريو الأتمتة السابق ابتداءً من اليوم الأول بأخذ أول مقطع فيديو، وينشره على صفحة فيسبوك وتويتر الساعة العاشرة مساءً، ثمّ يأخذ اسم الملفّ (الذي هو 1.mp4) ويزيده برقم 1 (فيصبح 2.mp4) ويحفظ تلك القيمة في قاعدة بيانات مخزّنة على المنصّة. في اليوم التالي سيأخذ السيناريو اسم الملفّ الذي هو 2.mp4 ويأخذ الملف المطلوب من مجلد Dropbox المحدد ثمّ ينشره على الصفحة، وسيعيد العملية إلى أن يبلغ العدد الكلي للملفات، حيث سيُعاد الرقم إلى 1.mp4 وتبدأ الدورة من جديد، ببساطة.

هكذا، كل ما عليّ فعله هو وضع الفيديوهات ضمن المجلد على Dropbox، وبعدها ستنشر تلك الفيديوهات الواحدة تلو الأخرى كل يوم للناس.

هذا مثال على أحد تلك المنشورات، والتفاعل لدينا على كل منشور بالمئات والحمد لله، بين أناسٍ تشاهد، وأناسٍ تُشارك، وأناسٍ تعلّق:

الرقم العشوائي الذي تراه في نهاية كل منشور هذا لأنني اكتشفت أنّ فيسبوك يقلل وصول المنشورات إن كانت جميعها تستخدم نفس النصّ المرفق، ولذلك احتجت إضافة رقم عشوائي في نهاية كل منشور لخداع خوارزميات فيسبوك.

لإشهار الصفحة استفدتُ من إعلانات فيسبوك الممولة. وباستهداف الجمهور المغاربي عمومًا يمكن للمرء أن يصل لأكثر من ربع مليون إنسان أسبوعيًا بمبالغ منخفضة:

اليوم هناك حوالي 65 ألف معجب في صفحة دقائق من القرآن، ومنذ كل يوم من تاريخ 12 مارس 2020م، هناك فيديو لتلاوة القرآن الكريم تُنشر على الصفحة تلقائيًا دون أي تدخل منّي على الإطلاق.

نشرتُ هذه التجربة لأنني أريدها أن تكون محفّزة لمن يرغب بعمل مشاريع شبيهة بأدنى التكاليف ودون أي تدخل لاحق منه. نعم هذا ممكن، ويمكنك أن تستفيد من هذه الأدوات أيما استفادة إن عملتَ بجدّ عليها وعلى ما يمكنك استخراجه منها.

لأجل ذلك نشرت التدوينة السابقة حول الأتمتة وما يمكن فعله عن طريقها ولماذا هي مهمّة، كما دعوت إلى التمرّس فيها عدة مرات مسبقًا.

وقتي ضيّق لهذا لم أعمل الكثير من المبادرات والمشاريع الشبيهة، لكن يمكن لمن يفهم الأتمتة بصورة جيّدة أن يطلق عشرات بل وربما مئات المشاريع المختلفة على الويب العربي بهذه الطريقة، فيجعلها جميعًا مؤتمتة بحيث لا تتطلب تدخلًا بشريًا منه لاحقًا.

مشاريع شبيهة لنشر محتوى مؤتمت آخر (قصص، أحاديث نبوية، مقتطفات من كتب، لقطات شاشة… إلخ)، مشاريع حول آخر الأخبار بمجال معين (آخر الأخبار بالعملات الرقمية مثلًا)، مشاريع لأرشفة المحتوى عند نشره تلقائيًا… وغير ذلك الكثير مما يمكن لكم أن تتخيلوه.

بخصوص تقطيع الفيديوهات الكبيرة لتلاوات القرآن الكريم التي أجدها على يوتيوب إلى فيديوهات أقصر مدتها دقيقة أو دقيقتين… برمجتُ سكربت بايثون ليقوم بالمهمّة، حيث أحدد له فقط اسم الفيديو وأوقات التقطيع التي أريدها وهو سينتج لي الملفّات الصغيرة مباشرةً. شرحت العملية بالتفصيل في هذه المقالة الإنجليزية.

النقطة الوحيدة التي يجب عليك الانتباه لها من أجل عملية أتمتة سلسة تستمر حتّى بعد موتك هي وسيلة الدفع لخدمة Integromat; لا تريد أن تتوقف كلّ سيناريوهاتك مباشرةً عند وفاتك مثلًا لأن بطاقتك الائتمانية قد توقفت عن العمل. في هذا الحل يمكنك أن تسند مهمة الاحتفاظ ببطاقتك الائتمانية ودفع الديون التي عليها لأحدٍ من أفراد أسرتك شهريًا مثلًا، أو يمكنك استخدام أحد بطاقاتهم أو حساباتهم، أو ببساطة تخبرهم في حال وفاتك أن يتابعوا سير الموضوع ويربطوا الخدمة بوسيلة دفع من عندهم.

آمل أنّ هذا سيفتح بعض الآفاق الممكنة لأفكار ومبادرات ومشاريع ومهام يمكن أتمتتها بسهولة وتسهيل القيام بها عليكم، وآمل أن تفتتحوا بأنفسكم مشاريع شبيهة تكون لكم أجرًا وزادًا يوم القيامة إن شاء الله.

7 thoughts on “القرآن كصدقة جارية مع الأتمتة أنموذجًا

  1. نسأل الله أن يُبارك في عملك هذا ويتقبله ويجعله دافعاً لغيرك أن يفعل مثله وتنال مثل أجره

    1. محمد هاني صباغ

      24 يناير، 2021 — 10:00 ص

      آمين، الله يجزيك الخير يا معتز.

  2. رياض فالحي

    24 يناير، 2021 — 2:42 م

    أعجبتني الفكرة ،عندي صفحة مليونية ،أهملتها منذ مدة ،سأقوم بالتجربة عليها
    بارك الله فيك

    1. محمد هاني صباغ

      24 يناير، 2021 — 5:28 م

      بالتوفيق! لو احتجت مساعدة بالخدمة فيمكنني النظر فيما قد يعترضك.

  3. مختور محمد المصطفى

    24 يناير، 2021 — 4:28 م

    جزاك الله خيرا عن المسلمين و بارك في جهودك .
    (هل يمكنك أن تعطيني بريدك الإلكتروني)

    1. محمد هاني صباغ

      24 يناير، 2021 — 5:27 م

      آمين وإياكم. يمكنك مراسلتي على البريد: mhsabbagh[at]outlook.com أخي.

  4. ما شاء الله! زادك الله علماً وفهماً وتسخيراً للتقنية بين يديك للفائدة والخير وتنبيه الناس لأبواب الخير المهملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *