من أسوء آفات التواصل الرقمي هو انسحاق خصائص التواصل البشرية فيها. في مجموعات الواتس آب الكل يحاول الظهور بمظهر الأستاذ الخبير الراشد ويحاول سحق أي رأي مخالف له بضراوة دون اعتبار لوجود إنسان في الطرف الآخر، في نقاشات فيسبوك الهُرائية الكل يحاول تسخيف وتحطيم مخالفيه وكتابة أي شيء لنيل الإعجابات، على مواقع النقاشات مثل Reddit الكل يكتب تعليقاتٍ ويكأنّ الكاتب هو عبارة عن “حساب” يقوم بكتابة تعليق، وليس إنسانًا يستخدم ذلك الحساب ليكتب. حبّ تعظيم الذات موجودٌ دومًا على منصّات التواصل الاجتماعية هذه.

تذكّر دومًا أنّك على الإنترنت لا تتعامل مع حسابات، بل تتعامل مع بشر. تخيّل كاتب التعليق المُخالف لك وهو يقف أمامك وتخيّل أنكما تتناقشان حول موضوعٍ معيّن، هل كنت لتقول نفس الكلام الذي تكتبه لو كنتَ تنظر في وجهه؟ إن كان الجواب لا، فالأفضل ألّا تكتب.

ما يحصل هو أنّه بسبب غياب عناصر التواصل البشري مثل رؤية الوجوه والسماع، فإن الكلام في كثيرٍ من الأحيان يبدو خاليًا من أي “بشرية” فيه، يخرج بطريقة جافّة، وقحة، تسخيفية وتحقيرية للشخص المُخالف. لا أنكر أن الكثير من الناس أغبياء فعلًا، لكنك لم تكن لتتكلم معهم بنفس الطريقة لو كانوا يقفون أمامك وجهًا لوجه، وهم كذلك لم يكونوا ليكتبوا نفس التعليق لو كانوا واقفين أمامك. والمشكلة ليست فقط بالكلام بل بالتعامل كذلك، سواء كنتَ مدير مشروع، أو شركة، أو مجموعة فيسبوك، أو موظّفًا في قطاعٍ عام، لا تتعامل مع الناس بطريقة جافّة وكأنّهم مجرّد أشخاصٍ آخرين وأرقام أخرى، لا تتعامل معهم كأنّهم حسابات تمشي على الأرض، بل تعامل معهم بناءً على أنّهم بشر.

للأسف الحياة الرقمية لم تعد فقط تؤثّر على تصرّفات الشخص في العالم الرقمي، بل تؤثّر على سلوكياته وتصرّفاته في حياته الواقعية كذلك. منذ أن تركتُ فيسبوك وأنا أشعر بارتياح أفضل. أرى أنّ النقاشات التي أجريها مع الناس وجهًا لوجه سواء في الجامعة أو العمل أو عبر التلفون أو في المناسبات الاجتماعية أكثر هدوءًا ورواقًا من تلك النقاشات التي كنتُ أجريها على فيسبوك حيث يهتم المرء بزخرفة الكلام ليربح نقاشًا على الإنترنت. الأشخاص الذين كانوا يكتبون تعليقاتٍ غبية على فيسبوك لم أعد أراهم، ليس لانعدام التواصل بيننا بل لأنّ الناس ستتردد مليون مرّة في قول فكرة غبية أو الخوض في نقاش بشخصيتهم الحقيقية وصوتهم ووجههم في الحياة الواقعية مقارنةً بمجرّد كتابة تعليق على فيسبوك.

يدفعني هذا إلى التفكير إلى أننا ربما بحاجة إلى شبكات اجتماعية أكثر بشرية.

التأمّل في الموضوع دفعني إلى التفكير إلى أنّه عندما يحتاج إنسانٌ شيئًا منّي، ربّما عليّ أن أضع نفسي مكانه وأقدّر حاجته ثم أنظر إن كان بإمكاني تحقيقيها، بدلًا من القفز مباشرةً إلى النظر إن كان بإمكاني تحقيقها دون اعتبارٍ له كإنسانٍ في حاجة، وأنني لو كنتُ مكانه لما كنتُ لأحبّ أن أُعامل كحساب فيسبوك يمشي على الأرض.

دومّا، تذكّر الإنسان الذي أمامك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *