قضيتُ الشهر الماضي وأنا ألاحقُ فأرًا دخل بيتنا. نعيش في الطابق الثالث لذلك كان صعبًا عليّ أن أتصوّر من أين جاء هذا الإزعاج المُتحرّك. أمضينا الشهر ونحن ننصب الفخاخ بشتّى أنواعها لعل الفأر يموت أو يرحل ونقوم بسد الثغرات في المنزل بالإسمنت الخفيف لمنعه من الدخول، ولكن دون جدوى.

اليوم الساعة 3:30 صباحًا وجدتُه يحاول حفر حفرةً داخل غرفتي، وكل بضع دقائق أسمع صوته يحفر فأخاف وأنير الضوء وأحاول إصدار أصوات لإبعاده من داخل الجدار ولكن دون جدوى.. الشهر كلّه كان هكذا. وضعتُ قطعةً من ورق داخل الحفرة التي كان يحاول الخروج منها فصعُب عليه الخروج لكنه ظلّ يحاول أن يحفر.

على عكس المُعتاد هذه المرّة، قررتُ أن أحضر عصا وأسهّل له الخروج عبر إزالة الورقة والحفر معه كذلك لتكبر الحفرة، وأنتظره لأقتله. ما إن حفر حفرةً مناسبة لحجم رأسه حتّى مدّ رأسه لينظر في غرفتي ويعرف كيف سيخرج، فهشّمتُ رأسه بالعصا وقتلتُه في أقل من دقائق.

مات الفأر ورمينا جثّته في القمامة وأصلحنا مكان الحفرة التي جاء منها، بعدها حصلتُ على أفضل نوم في حياتي منذ شهر دون أي خوف أو رعب أو أصوات غريبة هنا وهناك. العائلة كلّها كذلك. لم نعد نسدّ أبواب غرفنا خوفًا من أن يدخل الفأر من تحتها، لم نعد نغلق النوافذ عند النوم خوفًا من أن يدخل منها.. كل هذا انتهى خلال تلك الدقائق التي قتلتُه فيها.

جعلني هذا أفكّر أنّ نفس الشيء ربما يحصل في حياتي مع عدة أشياء كذلك، فبدلًا من مواجهة الصعاب وجهًا لوجه وتحمّل القيام بالمهام لبضع ساعات، نفضّل تأجيلها والتسويف على أن نقوم بفعلها الآن رغم أننا نعلم أننا سنرتاح ونفوز بأشياء عظيمة إن فعلناها فقط لمدة محدودة. تلك المقالة التي أريد كتابتها منذ حوالي أسبوعين وذاك المشروع على GitHub الذي يتعين علي تطويره وأشياء أخرى كثيرة في حياتي.. كلّها يمكنني الخلاص من همّها وخوفها إن تحرّكتُ وقمتُ بها.

تأملت في المشهد أكثر فوجدتُ أن هجرة السوريين الجماعية من سوريا وخراب البلاد ومضي كل هذه السنوات ربّما كنا لنتفاداه لو أننا جميعًا بقينا وواجهنا الخطر بدلًا من الهروب، وأنّ المحسوبين على المسلمين على امتداد القرن الماضي لو واجهوا أعدائهم وجهًا لوجه ربّما كنّا لنرتاح بالفوز الآن. ثم وجدتُ معظم الدنيا تسير على هذا المبدأ للأسف; الخوف من الواقع فالهروب منه بدلًا من مواجهته.

دومًا، يبدو لنا ما نواجهه سواء كان كتابة مقالة أو تطوير مشروع أو قتل فأر أو تحرير البلاد كالبعبع الذي نرغب بتفاديه وتأجيله وانتظار غيرنا ليقوم بالمهمّة، لكن مواجهته بأنفسنا الآن أفضل وسيُحررنا مما نحن فيه.

One thought on “في بيتنا فأر، أو كان

  1. بل لم لا ندعو أن ينصر الله الدين، أو يخرج لنا صلاح الدين، أو قطز؟ الله سيتكفل بالنصر، اللهم أعد علينا صلاحًا مثل صلاح الدين، يحطم الكفار المعاندين، ويشد أزر المسلمين، قل آمين … .
    هذا أسهل أليس كذلك؟ ألم ترتح نفسك وتهدأ نيران صدرك حين تقول هذه الدعوات المباركات المسجوعات المنظومات؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *