
الحمد لله مرت سنة على رجوعي إلى بلدي سوريا، بعد تهجيرٍ طال 12 عامًا.
أحمد الله على أنني اتخذتُ قرار الرجوع، فالحياة بالغربة حياةٌ بائسة وإن جمّلتها الأوضاع المستقرة والرواتب العالية والتقدم والتطور التقني والإداري… ويكأنك جامدٌ في الزمن، تعيش وتأكل وتعمل وتنام وتنتظر العام المقبل ثم الذي يليه، ولا يتقدم شيءٌ في حياتك إلا عمرك.
وكيف يعيش الإنسان على وطنٍ ليس منه ولا هو منه، ويمارس أهله عليه العنصرية ليل نهار ويرغبون في طرده، ويخاف أن يكتشف أحدهم أمره وأنه (أجنبي) أثناء الحديث فيتنعصر ضده، فيحاول أن يبتعد عن أغلب الناس أصلًا ويبلع لسانه طيلة هذه السنين عنهم، فيغدو ويمسي كالأعمى والأصم.
ولا زلتُ أذكر نفسي وأنا دون وطن، وأنا أتنقّل وأتفحّص المدن التركية، وأبحث في تاريخ أهلها وأخلاقهم وتديّنهم وفي أوضاعهم الحالية، وهل يمكن لي أن أستقر عندهم وأبني أسرة أم لا؟
ولا زلتُ أذكر نفسي عندما كان يرفض أصحاب البيوت تأجيري بيوتهم، ولا أستطيع حتى أن أحظى (بمنزل إيجار) على الرغم من امتلاكي جميع الأموال التي يطلبونها لأنني (أجنبي) ورغم أنني معي جنسية تلك البلاد أصلًا، فأتذكر دعاء رسول الله وأردده “اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”.
وتمضي بنا السنون على هذه الحال.
همم يبدو أن هذه المدينة جميلة بعد زيارتها والمكوث فيها لأسبوع، لكنني غير مقتنع أن سكني الدائم سيكون فيها بعد.
يبدو أن الأناضول هو أفضل ما يناسبني… فلنستقر هنا إذًا.
حملات تكسير للمحال التجارية والسوريين بعد أقل من 3 أشهر على انتقالي… تذكرة جيدة أننا من دون وطن.
فجأة يمن الله علينا بالتحرير، وأرجع إلى سوريا في غضون شهر.
منذ رجوعي منّ الله عليّ بالعمل مع مجموعة من الناس في خدمة هذا البلد في الأمور التقنية، وخالطتُ أناسًا:
- كانوا مجاهدين في الصفوف الأولى على الجبهات أثناء الثورة.
- أو مهاجرين من بلاد أخرى، تركوا بلادهم وجاؤوا لمساعدة إخوانهم هنا.
- أو إعلاميين أو تقنيين أو مساعدين في الصفوف الثانية.
- أو في أدنى الأحوال عاشوا حياة الثورة الصعبة تحت القصف والضرب لمدة 14 عامًا.
فكانت بالنسبة لإنسان مهجر خارج سوريا تجربة ويكأنها من العالم الآخر…
بعضهم أناس ليسوا أبدًا كأي أناس قابلتهم في حياتي، وإلى الآن أنا مندهش منهم ومن دافع التضحية القوي الذي لديهم… مجاهد كان يقبض كل 3 أشهر 50 دولار… ولا يبالي أيقبضها أم لا… ثم بعد التحرير وبسبب الأمور الإدارية والشهادات وما إلى ذلك لم يحصل على منصب… ومع ذلك هو مستمر في عمله ويكأن شيئًا لم يحصل.
لم أرى مثل هذا الزهد؛ لا عند طلبة العلم والمشايخ الذين خالطتهم، ولا العلماء الذين قرأت عنهم، ولا على عتبات مواقع التواصل التي تنبهر بقصص بعض (المضحّين) الذين كانت التضحية مواتية لهم فأخذوها وبنوا مجدهم عليها.
وقد وجدتُ نفسي مهزومةً أمام الناس الذين لم يبالوا بالوظائف والمناصب والرواتب، وظلّوا يبذلون الغالي والنفيس طيلة سنين الثورة ويعرّضون أنفسهم للخطر أو الموت في كل يومٍ من أيامها، ثم لا يرون منةً ولا فضلًا منهم على أحد. ولا أدري هل يمكن لهذه النفس أن تصل يومًا إلى هذه المرتبة أم لا.
وقد ظننتُ في السابق أن جو طلب العلم، وطلبة العلم والمشايخ، هو أعلى ما يمكنني أن أراه من الزهد في هذه الدنيا والإقبال على الآخرة… حتى رأيتُ مجاهدًا مهاجرًا ترك بلاده البعيدة عنّا 4000 كيلومتر، وجاء ليقاتل مع الثوّار… ثم هو اليوم يعمل عملًا بسيطًا لأنه لا خبرة له في مجالات الدنيا الأخرى… وأنّى يكون له ذلك وقد هاجر منذ 14 عامًا تاركًا كل الدنيا خلفه؟
حياة الجهاد والمجاهدين عالم آخر…
يجلس القرفصاء مرتديًا قميصًا أحاديَ اللون وبيجاما، ويحتسي الشاي ويقول بين كل رشفةٍ وأخرى: يا دنيا غرّي غيري.
الحديث عن العلم والزهد سهل، لكن أن تراه رؤيا العين وتقارعه… هذا شيءٌ آخر.
أجلس بينهم فيتحدث هذا عن سنين 2014م وما عانوه من داعش، وذاك عن سنين 2019م وما عانوه من حملة الأسد عليهم وكيف حاولت دول إقليمية لن أسميها القضاء عليهم، وذاك يتحدث عن مخيمه العسكري في 2013م في بداية هجرته… وأنا كل ما لديّ 12 سنة من الغربة في المهجر.
لقد فرّطنا في قراريط كثيرة.
تحدثتُ في تدوينةٍ سابقة عن الحياة المعيشية الصعبة في بداية عودتي، وكيف أن الكهرباء والماء والإنترنت وبقية الخدمات غير متوفرة بشكل جيد وأن المرء يمكن أن يعاني بسبب غيابها… اليوم ولله الحمد فقد زالت تلك العذابات الصغيرة، وأبدلني الله بها نعمًا كبيرة كثيرة، وصرتُ أتخيّر من الأرض ما أشاء مرةً أخرى، لكن هذه المرة في وطني الذي عاد إليّ وعدتُ إليه.
وأبدلني الله بهذا الذل الذي كنّا فيه في بلاد التهجير = عزًا لم أنل مثله من قبل في عمري.
ولقد انتصر أناسٌ في هذه الثورة،
أما أنا، فقد نصرني الله بها.
لقد انتصر أناسٌ في هذه الثورة، أما أنا فقد نصرني الله بها.
لخصت المشهد بعبارة جميلة.. بارك الله بك ولا أعاد تلك الأيام.