نظرة على تاريخ المشاريع في الويب العربي ومشكلة عامل الاستمرارية

عندما أرى أحدهم يُطلق منصّة جديدة أو مشروعًا جديدًا في الويب العربي سواءٌ كان مشروع منصّة تدوين أو مشاركة روابط أو شبكة اجتماعية أو موقع محتوى… إلخ، ينقبض صدري عند مجرّد التفكير بالتسجيل في هذه المنصّات وصرف جهدي فيها، وهذا لعدّة أسباب وعوامل مفجعة مررتُ بها من قبل.

دعني أخبرك أوّلًا ببعض تجاربي السابقة التي حطّمت ثقتي بالكامل بالمنصّات العربية:

  • عرب شير: منصّة رفع صورة عربية شهيرة كانت موجودة منذ 2005م ربّما أو نحو ذلك. كنت أرفع صور المواضيع التي أكتبُها عليها عندما كنتُ أشارك في بعض المنتديات العربية، حيث رفعتُ عليها مئات الصور التوضيحية المُساعدة للشروحات التي كنتُ أكتبها. كان شعار المنصّة دومًا هو “الاستمرارية” وهذا ما دفعني للثقة بها بدلًا عن المنصّات الأجنبية. أُغلقت المنصّة قبل عدّة سنوات بصورة مفاجأة وضاعت كل الصور وروابطها. والآن كلّ مئات المواضيع التي كتبتُها صارت بلا أي صور. جهد سنوات قد ضاع.
  • مجتمع لينكس العربي: مئات الآلاف من المواضيع والمشاركات منذ 2008م، توقّف الموقع قبل أكثر من سنة ونصف أو ربّما سنتين، ولم يعد إلى اللحظة.
  • منتديات الفريق العربي للبرمجة كذلك توقّفت هي الأخرى لعدّة سنوات قبل أن تعود. وأذكر أنّه في أوّل يومٍ اشتريتُ فيه حاسوبي المحمول القديم سنة 2013م أو 2014م عملتُ نسخة احتياطية من كامل محتوى المنتدى ورفعتها على سورس فورج خوفًا من الضياع.
  • كان هناك منتدى اسمه “عالم أوبونتو” خاص بتوزيعة أوبونتو من لينكس. عملنا عليه ونشرنا فيه مئات وآلاف المواضيع كذلك، وفجأة أغلقه صاحب المنتدى بل وذهب وباعه على ترايدنت بثمنٍ بخس! هكذا دون أي إشعار أو إخطار.
  • كان هناك كذلك موقع اسمه “أجبتك” بديل عربي للask.fm. استعملناه لفترة طويلة وفجأة كذلك توقّف عن العمل واختفى. طيب ومشاركاتي وأسئلتي وأجوبتي وتعب الشهور يا بعيد؟
  • بعض منصّات حسوب مثل اشتريت (منصة ترفع عليها منتجاتٍ اشتريتها وتقوم بكتابة تجربتك معها) وأسناد (منصة بيع منتجات رقمية) وأرابيا I/O (مجتمع نقاشي عربي خاص بالتقنيين ورواد الأعمال العرب) وصور (مجتمع مثل Imgur). أغلقت المنصّتان الأوليتان فجأة ورغم أنني لم أستعملهما شخصيًا إلّا أنّ انعدام استمرارية هذه المنصّات حتى مع شركة لديها دخل قوي ورائها زاد من عدم ثقتي بالمنصّات العربية واستمراريتها. أمّا مجتمع أرابيا فقد مات وتحوّل إلى مجتمع حسوب I/O العام حيث يُنشر فيه كلّ شيء ويكتب فيه من يشاء وأُهمِل وهجره معظم أعضائه القدامى. حالة أرابيا بالتحديد أحسست فيها بالغدر. هل تعلم أنّ كل مواضيع الرابط (link posts) القديمة لا تعمل؟ مثال. المشكلة لا يوجد أحد يهتم حتّى لتراسله، حتّى صفحة حسوب الرئيسية كشركة غير مُحدّثة منذ 2016م فما بالك بغيرها.
  • منصة منشر للتدوين، فجأة اختفى صاحب المشروع ولم يعد يرد وتوقف الموقع وضاع المحتوى لمئات الناس (قبل أن يحاول مؤخرًا بعض الأعضاء استعادته، ونجحوا).
  • منصّات فريق معراج. أخونا خالد الحضري هل ما تزال حيًّا؟
  • عرب ووردبريس. كان هناك منتدى على ما أذكر وبه الكثير من المشاركات. طار هو الآخر.
  • سمعتُ خلال السنوات الماضية العشرات من المواقع العربية البديلة لـStackOverFlow، يبدو أنّه ولا واحدًا قد نجح منها.
  • غيرها الكثير.

كلّ هذه التجارب التي رأيتها على مدار السنين الماضية تجعلني لا أشترك بأيّ منصّة عربية جديدة مهما كانت مليئة بالمميزات. وإذا عرفتُ أنّ القائم عليها فرد واحد فقط فحينها من سابع المستحيلات أن أستثمر وقتي وجهدي ومحتواي فيها، لأنني أعلم أنّه قد يختفي فجأة دون أن يشعر بالمسؤولية تجاهي أنا كمُستخدم لخدمته طوال شهور وسنوات ولمحتواي وروابطي وتعبي لإشهار منصّته.

لا أحد يطلب من أصحاب المشاريع العربية أن يستمروا للأبد. لا بأس بإغلاق المشاريع متى ما شئت ولا بأس بأن تتوقف لأي سببٍ تريده، لكن على الأقل اترك المحتوى أو المنصّة للآخرين ليتابعوا العمل فيها ولا تأخذها معك للأبد عندما تقرر الذهاب. إمّا ارفع المحتوى أو الشِفرة البرمجية للمنصّة على مواقع مثل GitHub وغيرها ليتمكّن الناس من الوصول للمحتوى ومتابعة العمل إن شاؤوا أو سلّم المنصّة لشخصٍ آخر يريد متابعتها. لماذا تريد أخذ كامل محتوى الناس الآخرين وتعبهم معك عندما تريد التوقّف؟

غياب عامل المسؤولية لدى أصحاب المشاريع في الويب العربي مؤسف. وهذه دعوى لكل صاحب مشروع عربي سواءٌ كان افتتحه بالفعل أو يريد فتحه أن يضع في ذهنه عدة أشياء:

  1. انشر المحتوى كذلك على منصّة خارجية يمكن للجميع الوصول إليها ونسخ المحتوى منها متى ما شاؤوا، مثل GitHub. ليس هذا لتأمين المحتوى فحسب بل تجنّبًا للحالات الاستثنائية التي قد تغيب فيها؛ فقد تموت مثلًا أو تمرض أو يأتيك سفر ولن يستطيع أحدٌ حينها الوصول إلى المحتوى سواك. إن كان المحتوى شخصي (به بيانات حساسة) فعلى الأقل اسمح للناس أن ينزّلوا محتواهم قبل أن تقوم بحذف المنصّة.
  2. من الأفضل أن تأتمن بيانات الدخول للموقع كذلك وبيانات الاستضافة وبيانات اسم النطاق لدى صديقٍ مقرّب لديك ليصل إلى جميع هذه الأمور في حال ما توفّيت مثلًا. ألا تريد أن تتابع مشاريعك الحياة حتّى بعد موتك؟ يبدو أنّ الجميع هنا يظنون أنّهم سيخلدون للأبد. صديقنا يوغرطة – رحمه الله – مثلًا ما يزال محتواه على المجلّة التقنية متوفرًا وعلى ما يبدو السبب في ذلك تمكّن عائلته وأصدقائه من الوصول إلى بيانات الاستضافة واسم النطاق.
  3. تكلّم عن هذا الموضوع بصورة واضحة في مشروعك أو عند إطلاقه. ضعه في صفحة “حول المشروع” الخاصّة بك واشرح لي كيف أنّك ستضمن أنّ تعبي وبياناتي وجهدي كمستخدم لديك على منصّتك أو مشروعك لن يضيعا هباءًا فقط لأنّك تقاتلت مع زوجتك اليوم. اشرح لي كيف أنّه حتّى في حالة غيابك أو وفاتك فالمشروع سيستمر.

هناك الكثير من المنصّات الأجنبية التي تُغلق كذلك كلّ يوم، ولكن من قال لك أننا نثق بها فقط ﻷنّها أجنبية؟ هي تعاني من نفس المشاكل والفرد الذي يأتي ليفتح مشروعًا ثم يغلقه ويفتح غيره ثم يغلقه ويفتح غيره… هذا إنسانٌ لن أستعمل خدماته ومشاريعه مهما حصل، سواءٌ كان من بلاد العرب أو من بلاد الغرب.

8 comments / Add your comment below

  1. ألا ترى أن ما تقول يمكن شرح سببه في أن المجتمع العربي على الويب لا يزال في مرحلة الطفولة، فكلما جرب القيام انكب على وجهه، والمشكلة أن هذا هو حالة ذلك المجتمع (العربي على الويب) ككل.

    إن ظل الحال على ما هو عليه فربما تسقط حسوب غدًا وغيرها بعد غد، لأن المشكلة أننا لا نملك إلا هؤلاء الرهط :D، فإن لم يكن لديك جيل يتعلم في المدارس هذه الأمور فستظل تخشى من السقوط في كل يوم. والويب الغربي كما تقول لا يسلم من هذه المشكلة إلا أنهم إن سقط واحد فلديك مئة قائمون، وهم سبقوك في هذا فتجاوزوا مرحلة الطفولة تلك من قديم، واللغة لغتهم، فلا يوجد عندهم هذا الحاجز، وهم المطورون للويب، وليس المستخدمون له المستحدث عليهم.

    فالحل برأيي تعليم في المدارس، تعليم حقيقي لأصول تلك الأمور، وليس “تعال أعلمك كيف تنشئ صفحة شخصية باستخدام PHP وMySQL” في كتاب يكتبه أساتذة جامعيون وهم يقولون أنهم بهذا “يواكبون” مقتضيات التطور.

    وهو ما تفعله حسوب بشكل مصغر جدًا جدًا، وهو برأيي سبب من الأسباب التي تبقيها حتى الآن، إذ تعلم مستخدميها كيف يتعلمون، وماذا يتعلمون، حتى إذا أرادوا استخدام منصات لإنشاء مشاريع كانت هي جاهزة.

    1. أهلًا أسامة.

      المشكلة هي أن الويب العربي بقي عالقًا في مرحلة الطفولة، ولا يبدو أنه يخرج منها. فالمفترض أنّ هذه المشاريع تُبنى وتتراكم فوق بعضها البعض لتصل إلى حالة الويب الأجنبي مثلًا، لكنها تتوقف ويأتي غيرها وتتوقف ويأتي غيرها، وهذه مشكلة فنحن في حلقة مفرغة.

      هناك الكثير من الأشياء الجديدة عن الدنيا التي على الأطفال تعلّمها في المدارس صراحةً وليس موضوعنا مثلًا فقط. يمكن النظر إلى طرق التعليم في الكيان الصهيوني كمثال ومقارنته بالتعليم عندنا لنعلم مالمشكلة. ولكننا لا نمتلك زمام أمورنا في المدارس مثلًا ليقوم أحد بمثل هذا.

      1. أصبت.
        وتلك مشكلة إذا علمت أن الأمر متعلق بالسوق ابتداءً، فإني في تجارة محلية منذ بضع سنين، وقد ربح منها ما ربح وخسر ما خسر، وأقول لك أنك لو معك فكرة بمليون دولار ولا يوجد سوق فستخسر وتغلق تجارتك تلك.
        فكان قصدي أن تنظر إلى السوق المتلقي لتلك المشاريع وإلى تطويره، بدلًا من النظر إلى كيفية معالجة كبوات الشركات التقنية العربية، فالشركة وجدت لتربح، وقد يكون فيها مستثمرون، وأولئك يريدون أموالهم بعد س سنة مثلًا بنسبة ربح كذا وكذا. وإن وصلت الشركة لنقطة الربح فستباع إلى شركة أكبر قد تكون متعددة الجنسيات، أو تخسر ويعين مجلس الإدارة مديرًا تنفيذيًا يحذف ويقطع ليقلل النفقات ثم يطرد المؤسس ويبيع أصول الشركة.

        وإن بقيت فسيكون سوقها شريحة قليلة من المستخدمين، هذا إن لم تجد دعمًا حكوميًا مثلًا لينشر لها علامتها ويوطد سوقها، وهذا معلوم مشاهد في الصناعات المحلية حتى، لهذا كان حيتان الصلب مثلًا يدخلون مجالس الأمة والبرلمانات كي يضمنوا أفضليةً لشركاتهم، وكذا قل على جوجل ومايكروسوفت وغيرها.

        فلو كان للشركة سوق واعي ومدرك لقيمة الخدمة لما اضطرت للإغلاق ابتداءً، ولما احتجنا لمشاريع تطوعية إذ كانت الشركات لتنفق على مثل ذلك، كما تفعل حسوب وصخر مثلًا …، وهكذا تعود لنقطة التعليم، ثم التعليم، ولا أرى حلًا سواه حقيقة.

        فبدونه سسيستعمل الناس الخدمات التي تأتي بغثها وسمينها، كما حدث في حالة TikTok من قريب إذ انتشرت قضايا حض على الفاحشة في مصر بسبب هذا التطبيق، ولاطلاعي على حال الصين مدة لا بأس بها في الأعوام الماضية لأسباب تتعلق بتجارتي، فإني أقول لك أن هذا مبني على تجارة الدعارة في الصين، إذ يؤجر شخص شقة أو مبنى وتعمل لديه فتيات مراهقات لتجلس كل واحدة أمام كاميرا وحاسوب لتغني وتتغنج وتتكسر في كلامها وتحادث شباب يشاهدونها، أو ترقص أو تغني أو تفعل نحو ذلك، وفي حالة تطبيقات أخرى فإنها قد تتعرى أيضًا، لكن هذه لم نصل إليها ربما بهذا الفجور.

        فلما جاء التطبيق إلى مصر بهذه التقنية والسوق جاهل بما وراءها، استخدمها دون وعي لخطرها، وإن كان خطرها بينًا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
        كذلك رأيت حالات لفتيات تعمل في تفريغ صوتي لموقع لما اطلعت عليه موقع لشركة صينية تابعة للحكومة لها تورط في قضايا الأويغور، وتلك تفريغات صوتية للغة عربية لتُستخدم في التعرف على الكلام.
        فهذه سببها المباشر هو الجهل، وليس قلة الشركات أو كثرتها، وربما يكون جزء من حلها هو ما ذكرته في مقالتك السابقة، ولعل هذا يكون من العلم الرباني “أي بصغير العلم قبل كبيره”.

  2. مقال رائع يستحق النشر والنقاش
    لكن اعتقد أن اختفاء المشاريع الممتازة والكبيرة إما أنها لم تجد من يتبناها ويدعمها أو أن تقوم إحدى الشركات الأجنبية الكبيرة بشرائها
    والمشكلة لا تكمن فقط في مشاريع الويب العربي بل حتى في الصناعات والبرامج التقنية العربية مثل شركة صخر العربية لصناعة الكمبيوترات وغيرها من شركات الصناعة والبرمجة التي اختفت فجأه دون معرفة الأسباب
    الموضوع يحتاج إلى دراسة علمية حتى نستطيع معالجة المشكلة
    يوجد أخوة عرب طوروا منصة لنشر المقالات للنشرها عبر روابط على غرار موقع justpaste وهو noteshare على الرابط : https://noteshare.id/
    أنوي عمل مشروع بسيط سأعرضة عليكم ان شاء الله
    بارك الله فيك

    1. أهلًا أخ حسين. لا مشكلة لديّ مع توقف المشاريع العربية للوهلة الأولى من طرف أصحابها الأصليين لكن المشكلة هي عدم تسليمها لأشخاصٍ آخرين ليتابعوا العملية أو نشر البيانات والمحتوى على المنصات الخارجية لكي لا يضيع تعب المستخدمين. على المشاريع العربية – ومنها ما أشرتَ إليه – أن توضح هذه النقطة لمستخدميها الجدد فهي لا تتمتع بنفس عوامل المشاريع الأجنبية.

  3. كتبت مقالًا مرة على مدونتي عن منصة لإختبار الإختراق قمت ببنائها وتكلمت عن تجربتي بها، وفي ختام المقال كتبت الفقرة التالية:

    “” حقيقة اﻷمر لا أرى مستقبلًا مشرقًا لبينسلاب عند بلاد العرب، أنا أفكر جديًا بتحويله لمنصة أنجليزية بالكامل، حيث يمكن للعرب وغيرهم إستخدامه، مما يزيد القاعدة التي يمكن لبينسلاب أن يرتكز عليها كي لا يندثر حاله كحال المواقع العربية التي عاصرنها ثم إختفت لسبب لا يعلمه إلا الله وصاحب الموقع.

    ولا أخفي عليكم، ما يمنعني عن ذلك منذ فترة هو أنني أحب اللغة العربية، ولا أرى لمواقعي لباس غيرها، ولكن هذا الحال، ومن لم يعتبر من احوال الغير سيصاب بما أصابهم لا محالة.””
    https://gharbat.github.io/penslab/

    إنه بالتأكيد حال مؤسف…

  4. كنت أعتقد أن موقع يوغرطة رحمه الله لم ينتهي بعد صلاحية الدومين، قد يختفي الموقع بعد أن ينتهي ذلك، وربما قد فعل ما ذكرته بالفعل وهذا سيحسب له كصدقة جارية، تقبل الله منه ورحمة الله تتغمذه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *