عن الحياة في العالم الافتراضي

لا شكّ أنّ أكبر الثورات التي نعيشها الآن هي ثورة التكنولوجيا والحواسيب، بجهازٍ موصول بالكهرباء والإنترنت يمكنك التحدّث مع شخص يعيش في النصف الآخر من الكرة الأرضية في غضون بضع ثوان وبشكلٍ مجاني تمامًا، يمكنك فعل آلاف الأمور الرائعة باستخدام هذه التكنولوجيا التي لأوّل مرّة تتوفر بهذا الشكل الرائع بالتاريخ البشري.

الأمر المقلق هو أن تتحول هذه الثورة التكنولوجية إلى “عالمٍ موازي” يعيش فيه البعض، تراه لا يهتم بشيءٍ من الحياة مثلًا بل فقط جالس ليلعب الألعاب الجماعية ويتابع الأنمي ويشاهد الأفلام. العيش في هكذا عالم مقلق للغاية لأنّه يجعل المرء منفصلًا عن الواقع، كيف يمكننا أن نعيش حياتنا الطبيعية وبيننا نسبة هائلة من الشباب ممن لا يتوقّفون عن لعب Counter Strike صباح مساء بشكلٍ يجعلهم منفصلين تمامًا عن الواقع؟ أو من يجلسون وراء تلك الشاشات من قبل طلوع الشمس إلى بعد غروبها فقط لمتابعة آخر مسلسلات الأنمي؟ عندما تحدّث هؤلاء الناس عن المجتمع، الحرّية، الإسلام، التطوّر العلمي والثقافي، هدف الحياة والوجود وغير ذلك من الأمور.. ستجده فعلًا منفصلًا عن الواقع تمامًا ولا يدرك ما يجرّي بالحياة حقًا، هذا الانفصال هو ما أتحدّث عنه.

أنا لستُ ضد المرح، فطبعًا يجب على المرء التنفيس عن نفسه، ويمكنه فعل ذلك سواء كان بالألعاب الإلكترونية أو مشاهدة الأفلام التي يحبّها أو عمل نشاطات.. إلخ، ولكن المشكلة هي عندما يتحوّل الأمر إلى شيءٍ يأخذ جلّ وقتك تقريبًا، عندما تمضي أيامك بالشهور والأيام داخل هذه الحواسيب ولا تخرج منها سوى للذهاب للحمام أو لتناول وجبة الغداء، حينها تصبح مشكلة.

طبعًا الأمر ليس فقط موجهًا لمتابعي الألعاب والأفلام، بل أيضًا للمبرمجين، المصممين، المطورين.. إلخ، ممن ينسون الحياة الواقعية بأكملها وينفصلون عن الواقع لكي يعيشوا داخل حواسيبهم، أنا مع أن يكون المرء مطّلعًا ومتخصصًا ومبدعًا بمجاله، ولكن لا تقل لي الآن أنّه لا يمكن للأمر أن يتم دون أن تصبح سجينًا داخل هذه الآلة.

هناك شيء اسمه الحياة وشيء آخر اسمه الموت، وعلى المرء أن يعي حقًا أنّ المسألة مجرّد وقت حتّى ينتقل من الشيء الأول إلى الثاني، عليه أن يدرك أنّه هناك أمورًا مهمّة عليه متابعتها في الحياة الواقعية وهناك قضايا ضخمة يجب أن يكون له رأيٌ فيها، الانفصال عن الواقع خطير ويؤدّي حقًا إلى الاكتئاب، فعندما تتابع آخر حلقات ناروتو شيبودن وتنتظرها بشغف ثمّ تعرج على ألعابك المعتادة مثل Counter Strike و League of Legends كلّ صباح.. ثم تنظر فجأةً للأوضاع العربية فحينها ستشعر حقًا بالانفصال التام والفرق الهائل بين الحياة الواقعية المليئة بالبؤس والفجور وبين الحياة الافتراضية الجميلة التي دومًا تنتهي بنهاية سعيدة يعيش فيها الجميع بسلام.. هذا الانفصال قد يقتلك – حرفيًا – وقد يدفعك للإنتحار، مالذي قد يدفع المرء للبقاء في حياة ملؤها البؤس والشقاء بينما عقله يعيش صباح مساء في حياةٍ افتراضية رتيبة جميلة..؟

حاول دومًا ألّا تتجرّع تلك الحياة الافتراضية بأكملها، وابقى على “اتصال” مع الحياة والناس من حولك قبل أن تستيقظ يومًا ما وأنت في الـ30 من عمرك وقد ضاعت كلّ هذه السنوات في أمورٍ لم تكن تريد حقًا أن يضيع عمرك فيها.